فهرس الكتاب
عليهم الحجة يعذرون في مثل هذه الأمور كما مر معنا من كلامه - رحمه الله - وبهذا نعرف أن كلام شيخ الإسلام هنا لا يعارض كلامه المقرر سابقًا، والله أعلم.
3 -مذهب الإمام ابن القيم في ذلك:
أما ما نقلوه عن الإمام ابن القيم - رحمه الله - فليس له علاقة بموضوع بحثنا. فالإمام ابن القيم يتحدث عن طبقات المكلفين في الدار الآخرة، فبعد ما ذكر طبقات أهل الجنة، أخذ في تعداد طبقات أهل النار، ومنهم (الطبقة السادسة عشر: رؤساء الكفر وأئمته ودعاته .. ثم ذكر الطبقة السابعة عشر: طبقة المقلدين وجهال الكفرة وأتباعهم ... ) إلى أن يقول: (وقد اتفقت الأمة على أن هذه الطبقة كفار و إن كانوا جهالًا مقلدين لرءوسائهم وأئمتهم .. و الإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، و الإيمان بالله وبرسوله واتباعه فيما جاء به، فلما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم، و إن لم يكن كافرًا معاندًا فهو كافر جاهل .. ) [1] .
فالإمام - كما ترى - يتكلم عن طبقات الكفار الأصليين ويبين أن منهم المعاند، ومنهم الجاهل ... وكلهم كفار لم يخالف في ذلك إلا بعض أهل البدع [2] ، وحديثنا ليس عن هذا، و إنما عن حكم من دخل في الإسلام بالشهادتين، ثم وقع في شيء من أعمال الكفر من الشرك أو غيره جاهلًا الحكم إما لحداثة عهده بالإسلام، أو غير ذلك، وهذا (أي موضوع بحثنا) ، قال عنه الإمام ابن القيم وهو يتحدث عن أنواع كفر الجحود: ( ... والخاص المقيد: أن يجحد فرضًا من فروض الإسلام، أو تحريم محرم من محرماته، أو صفة وصف الله بها نفسه، أو خبرًا أخبر الله به، عمدًا، أو تقديمًا لقول من خالفه عليه لغرض من الأغراض، و أما جحد ذلك جهلًا، أو تأويلًا يعذر فيه صاحبه، فلا يكفر صاحبه به، كحديث الذي جحد قدرة الله عليه .. ) [3] ،
فهذا الإمام ابن القيم كما هو واضح من النص المذكور يرى العذر في إنكار حكم الفرائض واستحلال المحرمات، وأصول العقيدة من الصفات والأخبار ونحوها، فكيف يحكى عنه خلاف ذلك؟
4 -مذهب الإمام محمد بن عبد الوهاب في هذه المسألة:
اختلفت النقول عن الإمام - رحمه الله - فهناك من ينسب له عدم العذر بالجهل في مسألة الشرك ونحوها، وهناك من ينقل عنه خلاف ذلك، ولأهمية رأي الإمام في هذه المسألة، سنحاول تجلية مذهبه باستقراء ما أمكن جمعه من النصوص المنقولة عنه، وسنبدأ بالنصوص الواردة حول العذر بالجهل في مسائل الشرك ونحوها:
(1) انظر طريق الهجرتين 380 - 382.
(2) نفسه 382.
(3) مدارج السالكين 1/ 367، وانظر النص المنقول سابقًا عن المدارج 1/ 239.