الثاني: أن من مات ولم تبلغه الدعوة فهو في النار، قال الإمام ابن القيم - رحمه الله- (وهو قول جماعة من المتكلمين، و أهل التفسير، وأحد الوجهين لأصحاب أحمد وحكاه القاضي نصا عن أحمد، وغلطه شيخنا ... .) [1] كما هو قول جماعة من أصحاب أبي حنيفة [2] .
الثالث: الوقف في أمرهم، وقد يعبر عنه بأنهم تحت المشيئة [3] (وهو منقول عن الحمادين وابن المبارك وإسحاق بن راهويه، وقال ابن عبد البر: وهو مقتضى صنيع مالك وليس عنده في المسألة شيء منصوص، إلا أن أصحابه صرحوا بأن أطفال المسلمين في الجنة، وأطفال الكفار خاصة في المشيئة) [4] .
الرابع: أنهم يمتحنون في عرصات القيامة بنار يأمرهم الله سبحانه وتعالى بدخولها، فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا ومن لم يدخلها فقد عصى الله تعالى فهو من أهل النار، وهذا قول جمهور السلف، حكاه الأشعري عنهم [5] ، وممن قال به محمد بن نصر المروزي [6] ، والبيهقي [7] ، وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وابن كثير وغيرهم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ( .. ومن لم تقم عليه الحجة في الدنيا بالرسالة كالأطفال والمجانين و أهل الفترات فهؤلاء فيهم أقوال أظهرها ما جاءت به الآثار أنهم يمتحنون يوم القيامة، فيبعث إليهم من يأمرهم بطاعته، فإن أطاعوه استحقوا الثواب، و إن عصوه استحقوا العذاب) [8] .
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله بعد حكايته المذاهب في أطفال المشركين وأدلتها: (المذهب الثامن: أنهم يمتحنون في عرصات القيامة، ويرسل إليهم هناك رسول وإلى كل من"لم" [9] تبلغه الدعوة، فمن أطاع الرسول دخل الجنة، ومن عصاه أدخله النار وعلى هذا فيكون بعضهم في الجنة وبعضهم في النار، وبهذا يتألف شمل الأدلة كلها وتتوافق الأحاديث) [10] ، ثم ساق أدلة لهذا القول، وقال: (فهذه الأحاديث يشد بعضها بعضا، وتشهد لها أصول الشرع وقواعده، والقول بمضمونها هو مذهب السلف والسنة، نقله عنهم الأشعري رحمه الله .. ) [11] ، ويقول الحافظ ابن كثير رحمه الله: ( .. وقد اختلف الأئمة رحمهم الله تعالى فيها قديمًا وحديثًا وهي الولدان الذين ماتوا وهم صغار
(1) أحكام أهل الذمة 2/ 623، وانظر طريق الهجرتين 362، وانظر كلام شيخ الإسلام، الفتاوي 24/ 372.
(2) انظر الجواب الصحيح 1/ 311، جمع الجوامع 1/ 62.
(3) انظر أحكام أهل الذمة 2/ 619.
(4) فتح الباري 3/ 246، والتمهيد لابن عبد البر 18/ 111، 112، وانظر أهل الفترة ومن في حكمهم لموفق شكري 98.
(5) الإبانة للأشعري ص33، وانظر مجموع الفتاوى 24/ 373، وأحكام أهل الذمة 2/ 649.
(6) في كتابه"الرد على ابن قتيبة"نقلًا عن أحكام أهل الذمة 2/ 650.
(7) انظر الاعتقاد للبيهقي 170.
(8) الجواب الصحيح 1/ 312، وانظر درء التعارض 8/ 401، مختصر الفتاوى المصرية 643، والفتاوي 24/ 371 - 372.
(9) ساقط من كتاب"طريق الهجرتين"369، والتصحيح من أحكام أهل الذمة 2/ 648.
(10) طريق الهجرتين 369.
(11) نفسه 371.