وآباؤهم كفار ماذا حكمهم؟ وكذا المجنون والأصم والشيخ الخرف ومن مات في الفترة ولم تبلغه دعوته وقد ورد في شأنهم أحاديث أنا أذكرها لك بعون الله وتوفيقه) [1] ثم ساق عشرة أحاديث في هذه المسألة، ثم أشار إلى الأقوال في المسألة، ورجح أنهم يمتحنون يوم القيامة حيث قال: ( ... وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها، وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة الشاهد بعضه لبعض .. ) [2] ، ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي - رحمه الله - بعدما رجح هذا القول: (إن الجمع بين الأدلة واجب متى ما أمكن بلا خلاف، لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما ولا وجه للجمع بين الأدلة إلا هذا القول بالعذر و الامتحان .. ) [3] .
ومن أهم أدلتهم على هذا القول دليلان:
الأول: استدلوا بعموم الآيات الدالة على نفي التعذيب قبل بلوغ الحجة [4] ، من مثل قوله تعالى عن أهل النار: {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا} [5] .
وقوله سبحانه: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [6] وغيرها من الآيات الدالة على عذر أهل الفترة بأنهم لم يأتهم نذير [7] يقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي - رحمه الله - في تفسيره لهذه الآية: (والله تعالى أعدل العادلين، لا يعذب أحدًا حتى تقوم عليه الحجة بالرسالة ثم يعاند الحجة، و أما من انقاد للحجة، أو لم تبلغه حجة الله تعالى فإن الله تعالى لا يعذبه، استدل بهذه الآية على أن أهل الفترات، وأطفال المشركين، لا يعذبهم الله، حتى يبعث إليهم رسولًا، لأنه منزه عن الظلم) [8] .
الثاني: استدلوا بعدد من الأحاديث المصرحة بأن أهل الفترة ومن لم تبلغه الدعوة يمتحنون يوم القيامة، ومن أشهرها ما رواه الأسود بن سريع أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال:
"يكون يوم القيامة رجل أصم لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم ورجل مات في فترة فأما الأصم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئًا، و أما الأحمق فيقول: رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر، و أما الهرم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئًا، و أما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول،"
(1) تفسير ابن كثير 3/ 28، نلاحظ في هذا النص عن ابن كثير، وفي كلام ابن تيمية وابن القيم السابق، أنهم يساوون بين أهل الفترة وأطفال المشركين في الحكم.
(2) نفسه 3/ 30.
(3) أضواء البيان 3/ 440.
(4) وسبقت الإشارة إلى هذه الأدلة في مبحث"التعذيب والتكفير بعد قيام الحجة".
(5) الملك: 8 - 9.
(6) الإسراء: 15.
(7) انظر مزيدًا من الأدلة في أضواء البيان 3/ 429 - 431، ودفع إيهام الاضطراب ضمن أضواء البيان 10/ 178 - 180.
(8) تفسير السعدي 4/ 266.