فهرس الكتاب

الصفحة 276 من 348

2 -تفسير قوله تعالى:

(عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا إلا من ارتضى من رسول .. )

الآية) [1] (.

مرّ معنا نصوص صريحة بأن الرسل وعلى رأسهم محمد صلى الله عليه وسلم لا يعلمون الغيب مثل قوله تعالى: (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ) ) [2] (، وسنزيد هذه المسألة إيضاحًا قبل أن نتكلم عن الاستثناء المذكور في الآي-ة، ق-ال تعالى:(قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء ) ) [3] (.(أي لو كنت أعلم جنس الغيب، لتعرضت لما فيه الخير، فجلبته إلى نفسي، وتوقيت ما فيه السوء، حتى لا يمسني، ولكني عبد لا أدري ما عند ربي، ولا ما قضاه في، وقدره لي، فكيف أدري غير ذلك وأتكلف علمه؟ ) ) [4] (.

وقال- عز وجل-: (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك ... ) الآية) [5] (.

وقال سبحانه: (يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب ) ) [6] (.

ففي هذه الآية دليل على نفي علم الأنبياء بالغيب، وإذا لم يعلم الرسل والأنبياء ذلك فمن ادعاه لنفسه أو لغيره فهو مضاد ومكذب بما جاء في القرآن.

وقال سبحانه في حكاية المحاورة بين موسى عليه السلام وفرعون: (قال فما بال القرون الأولى قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى ) ) [7] (، فأضاف موسى عليه السلام هذا العلم إلى الله سبحانه، ونفاه عن نفسه فدل على أن الأنبياء لا يعلمون منه شيئًا إلا ما يخبرهم به سبحانه) [8] (.

وقال سبحانه: (قل ما كنت بدعًا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ) ) [9] (.

لقد قص علينا- سبحانه وتعالى- من أحوال الأنبياء والرسل وأخبارهم ما يؤكد هذا المعنى ويرسخه، فها هو إبراهيم عليه السلام لم يعلم بأنه يولد له ولد من زوجته سارة إلا بعد أن جاءته الملائكة، وجاءته الملائكة في صورة بشر فلم يعرفهم فذبح لهم عجلًا وقربه إليهم، ولم يكن يعرف مقصدهم حتى أعلموه أنهم ذاهبون لتدمير قرى قوم لوط، وأما لوط فإنه ساءته رؤية الملائكة ولم يعلم حقيقة أمرهم إلا بعد أن أعلموه أنهم جاءوا لإنجائه وإنجاء أهله) [10] (.

وه-ا هو المصطفى صلى الله عليه وسلم أصابه هم عظيم وقلق وانشغل باله فيما قذف المنافقون عائشة رضي الله عنه-ما، ومك-ث أيامًا يستشير أصحابه في الأمر، ولم يعلم حقيقة الأمر حتى أنزل الله عز وجل براءتها وكذب المنافقين) [11] (، فكل هذه الآيات والأخبار تدل دلالة قطعية على أن الأنبياء لا يعلمون الغيب فإذا كان الأنبياء الأصفياء المقربون لا يعلمون ذلك، فغيرهم من باب أولى.

أما الاستثناء الوارد في قوله تعالى: (إلا من ارتضى من رسول) فمعناه:"أي من اصطفاه من الرسل، أو من ارتضاه منهم لإظهاره على بعض غيبه، ليكون ذلك دالًا على نبوته") [12] (.

وقال الإمام ابن العربي المالكي"وعند الله تعالى علم الغيب وبيده الطرق الموصلة إليه لا يملكها إلا هو، فمن شاء إطلاعه عليها أطلعه، ومن شاء حجبه عنها حجبه، فلا يكو ذلك من إفاضته إلا على رسله بدليل قوله تعالى: (وما كان ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء ) ) [13] ("، وقال الطيبي: ( .. فلا يظهر إظهارًا تامًا وكشافًا جليًا إلا لرسول يوحى إليه مع ملك وحفظه، ولذلك قال:(فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدًا) وتعليله بقوله: (ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم) وأما الكرامات فهي من قبيل التلويح واللمحات، وليسوا في ذلك كالأنبياء") [14] (، وقال الحافظ ابن حج--ر: (وفي الآية رد على المنجمين، وعلى من يدعي أنه مطلع على ما سيكون من حياة أو موت أو غير ذلك لأن-ه مكذب للقرآن وهم(أي المنجمين ومن في حكمهم) أبعد شيء من الارتضاء مع سلب صفة الرسلية عنهم )) [15] (."

(1) الجن، آية: 26، 27.

(2) الأنعام، آية: 5.

(3) سورة الأعراف، آية: 188.

(4) الدين الخالص لصديق خان 1/ 434.

(5) سورة هود، آية: 31.

(6) سورة المائدة، آية: 109.

(7) سورة ط، آية: 51، 52.

(8) انظر الدين الخالص 1/ 443.

(9) سورة الأحقاف، آية: 9.

(10) انظر الفكر الصوفي لعبد الخالق 144.

(11) انظر الدين الخالص 1/ 425، الفكر الصوفي 145.

(12) فتح القدير 5/ 311، وانظر تفسير القرطبي 19/ 28.

(13) سورة آل عمران 179.

(14) أحكام القرآن لأبي بكر بن العربي 2/ 738.

(15) فتح الباري 13/ 464.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت