ب- اعتقاد أهل السنة في ذلك، وحكم من أثبت
لمخلوق تصرفًا في الكون من دون الله عز وجل
من أصول اعتقاد أهل السنة ومما تواترت به النصوص من الكتاب والسنة الاعتقاد الجازم بأن النفع والضر، والخير والشر، والخلق والرزق والموت والحياة والتصرف في الكون وفي شئون العالم لا يكون إلا لله عز وجل، وبقضائه وقدره وأمره لملائكته أو أحد من خلقه بفعل شيء من ذلك.
ق-ال تعالى موجهًا نبيه صلى الله عليه وسلم: (قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله ) ) [1] (، وقال عز وجل:(قل إني لا أملك لكم ضرًا ولا رشدًا، قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدًا ) ) [2] (، وقوله:(قل إن الأمر كله لله ) ) [3] (، وقوله تعالى:(وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ) ) [4] (، وقوله تعالى:(إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ... ) الآية) [5] (، بل إن الأمر معلوم حتى لمشركي العرب، قال تعالى:(قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله ) ) [6] (وقال- عز وجل-:(قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون الله ) ) [7] (، وقال- عز وجل- عن الكفار:(ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقًا من السموات والأرض شيئًا ) ) [8] (، وقال تعالى:(ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذًا من الظالمين ) ) [9] (، وقوله سبحانه:(وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم ) ) [10] (، وقوله تعالى أيضًا:(ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده ) ) [11] (، وقال سبحانه وتعالى:(قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وما لهم فيها من شرك وما له منهم من ظهير ) ) [12] (، أي ليس لهم قدرة على خير ولا شر، ولا على جلب نفع، ولا دفع ضر في أمر من الأمور(ومالهم فيهما من شرك) أي ليس للآلهة الباطلة في السموات والأرض مشاركة لا بالخلق ولا بالملك ولا بالتصرف )) [13] (.
والأحاديث الشريفة في هذا المعنى كثيرة ومنها حديث وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لابن عباس حيث جاء فيها: ( ... واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله تعالى لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ... ) الحديث [14] (.
وجاء في دعائه صلى الله عليه وسلم قوله: (اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا لجد منك الجد ) ) [15] (فهذه كلها نصوص صريحة الدلالة في أن النفع والضر والرزق والخلق والتصرف والنصر كلها من الله عز وجل، فلذلك لا يجوز أن يدعى ويطلب من غيره النفع والضر أو الرزق كما لا يجوز أن يعتقد في غيره أن له تصرفًا في الكون من خلق وغيره، فكل ذلك شرك صريح مناقض لقول القلب.
قال الشيخ صنع الله الحنفي (*) رحمه الله في الرد على من ادعى ذلك:"هذا وإنه قد ظهر الآن فيما بين المسلمين جماعات يدعون أن للأولياء تصرفًا بحياتهم وبعد مماتهم، ويستغاث بهم في الشدائد والبليات وبهممهم تكشف المهمات، .... قال: وهذا كلام فيه تفريط وإفراط، بل فيه الهلاك الأبدي والعذاب السرمدي، لما فيه من روائح الشرك المحقق، ومضادة الكتاب العزيز المصدق، ومخالفة لعقائد الأئمة وما اجتمعت عليه الأمة"، ثم قال: فأما قولهم: إن للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد الممات: فيرده قوله تعالى: [أإله مع الله] ) [16] (، وقوله تعالى: [ألا له الخلق والأمر] ) [17] (،(لله ملك السموات والأرض]) [18] (، ونحوها من الآيات الدالة على أنه المتفرد بالخلق والتدبير والتصرف والتقدير، ولا شيء لغيره في شيء ما بوجه من الوجوه فالكل تحت ملكه وقهره تصرفًا وملكًا وإماتة
(1) سورة الأعراف، آية: 188.
(2) سورة الجن، آية: 21.
(3) سورة آل عمران، آية: 154.
(4) سورة الأنفال، آية: 10.
(5) سورة يونس، آية:3.
(6) سورة يونس، آية:31.
(7) سورة المؤمنون، آية: 88.
(8) سورة النحل، آية: 73.
(9) سورة يونس، آية: 106.
(10) سورة الأنعام آية: 17.
(11) سورة فاطر، آية: 2.
(12) سورة سبأ، آية: 22.
(13) الدين الخالص 2/ 10،11وانظر آيات أخرى في هذا المعنى في نفس المرجع 2/ 5 - 16، وفي توحيد الخلاق 145، 146 وفتح المجيد 173 - 179 وغيرها.
(14) رواه الإمام أحمد 1/ 293 والترمذي برقم 2516 وقال حديث حسن صحيح، وأخرجه الطبراني في الكبير 12/ 238.
(15) أخرجه البخاري 2/ 275 في صفة الصلاة باب الذكر بعد الصلاة، ومسلم برقم 593 في المساجد: باب استحباب الذكر بعد الصلاة، وأبو داود برقم 1505 والنسائي 3/ 70 وأحمد 4/ 245، 247.
(*) صنع الله بن صنع الله الحلبي، المكي، فقيه، محدث، واعظ، له مصنفات منها:"سيف الله على من كذب على أولياء الله"و"أكسير التقى في شرح الملتقي"توفي سنة 1120ه- وانظر هدية العارفين 1/ 428 ومعجم المؤلفين 5/ 24.
(16) سورة النمل، آية: 61.
(17) سورة الأعراف، آية: 54.
(18) سورة الشورى، آية: 49.