فهرس الكتاب
وقال تعالى: (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودًا ) ) [1] (، قال الإمام ابن القيم في معنى هذه الآية:(فجعل الإعراض عما جاء به الرسول والالتفات إلى غيره هو حقيقة النفاق، كما أن حقيقة الإيمان هو تحكيمه وارتفاع الحرج عن الصدور بحكمه والتسليم لما حكم به رضى واختيار ومحبة فهذا حقيقة الإيمان، وذلك الإعراض حقيقة النفاق ... ) ) [2] (.
وإذًا نستخلص من كلام الأئمة في تفسيرهم للآيات وكلامهم عن كفر الإعراض أن الإعراض الناقض للإسلام هو إعراض عن أصل الإيمان، إما أن يعرض إعراضًا تامًا عن تعلم أصول الدين مع قدرته على ذلك أو عن قبولها والانقياد القبلي لها، أو يعرض إعراضًا تامًا عن العمل بالجوارح (أن يترك جنس العمل) ، أو يعرض عن حكم الله ورسوله.
وقد سبق وأن بينا حكم المعرض عن تعلم أصول الدين (تارك العلم أو الجاهل المعرض) في مبحث العذر بالجهل، وكذلك سبق وأن بينا عمل القلب من القبول والتسليم والانقياد والإذعان كشرط لصحة الإيمان. وسنبين في هذا المبحث ضرورة وجود عمل الجوارح أو جنس العمل كشرط لصحة الإيمان، أو ترك عمل الجوارح بالكلية والإعراض عنها من نواقض الإسلام، لأنه يلزم من ذلك فساد عمل القلب من القبول والتسليم والانقياد.
ج- حكم ترك العمل والتولي عن الطاعة (ترك جنس العمل) : (*)
مر معنا في الباب الأول بيان مذهب أهل السنة في الإيمان، وإجماعهم على أنه قول وعمل، (قول القلب من المعرفة والتصديق، وقول اللسان، وعمل القلب من القبول والتسليم، وعمل الجوارح) وذكرنا الأدلة من الكتاب والسنة على دخول أعمال الجوارح في مسمى الإيمان، كذلك بينا انحراف الفرق في مفهومها للإيمان، فالمرجئة اعتقدوا أن الإيمان هو التصديق أو المعرفة فقط، ولم يشترطوا لا النطق ولا عمل الجوارح، والخوارج والمعتزلة جعلوا جميع العمل شرط لصحة الإيمان فترك الواجب وارتكاب الكبيرة- أو الصغيرة عند البعض- يخرجه من الإيمان بالكلية، أما أهل السنة فأوجبوا العمل ومن ثم قالوا عن مرتكب الكبيرة أنه لا يكفر، فكانوا وسطًا بين طرفين.
وفي هذا المبحث سنذكر كلام أهل السنة في حكم تارك العمل بالكلية، والمعرض عنه:
1 -يقول الإمام الشافعي- رحمه الله-: ( ... وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم، ومن أدركناهم يقولون: الإيمان قول وعمل ونية، ولا يجزي واحد من الثلاث إلا بالآخر ) ) [3] (، فكما لا يجزي العمل بدون وجود نية فكذلك لا يجزي النية بدون عمل ولا تنفع صاحبها عند الله.
2 -وقال حنبل: حدثنا الحميدي قال: وأخبرت أن أناسًا يقولون: من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئًا حتى يموت، ويصلي مستدبر القبلة حتى يموت، فهو مؤمن ما لم يكن جاحدًا إذا علم أن تركه ذلك فيه إيمانه إذ) [4] (كان مقرًا بالفرائض واستقبال القبلة، فقلت: هذا الكفر الصراح، وخلاف كتاب الله وسنة رسوله وعلماء المسلمين، قال الله تعالى:(وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) ) [5] (، وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: من قال هذا، فقد كفر بالله، ورد عليه أمره) [6] (وعلى الرسول ما جاء به عن الله) [7] (. ففي هذا الكلام رد صريح على أهل الإرجاء ممن يزعمون أن إقرار المرء بالفرائض والواجبات كاف
(1) سورة النساء آية: 61.
(2) مختصر الصواعق المرسلة 3/ 353، انظر تيسير العزيز الحميد 557، وانظر ما سبق من تفسير الإمام الطبري للآيات حول هذا الموضوع.
(3) (*) انظر بحثًا موسعًا حول ترك العمل والتولي عن الطاعة في رسالة (ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي 472 - 514 للشيخ سفر الحوالي.
الإيمان لابن تيمية 197.
(4) في الأصل: إذا ولعل الصحيح ما أثبتناه لتناسبه مع السياق.
(5) سورة البينة، آية: 5.
(6) في الأصل: على.
(7) الإيمان لابن تيمية 197.
(*) أبو ثور هو: إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي، أبو ثور، الإمام الحافظ الحجة المجتهد مفتي العراق ولد في حدود سنة 170 وسمع من سفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح وأبي عبد الله الشافعي وغيرهم، حدث عنه: أبو داود وابن ماجه وأبو القاسم البغوي وغيرهم، قال النسائي: ثقة مأمون، أحد الفقهاء، وقال أبو حاتم بن حيان: كان أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا وورعًا وفضلًا صنف الكتب وفرع على السنن وذب عنها- رحمه الله تعالى - مات في صفر سنة 240 ه-، انظر ترجمته: تاريخ بغداد 6/ 65،وسير أعلام النبلاء 12/ 72، طبقات الشافعية للسبكي 2/ 74.