فهرس الكتاب

الصفحة 302 من 348

شريعته فسماهم الله عز وجل كف-ارًا، فركوب المحارم مثل ذنب آدم وغيره من الأنبياء، وتركها على معرفة من غير جحود مثل كفر علماء اليهود )) [1] (.

فالإم-ام ابن عيينة- رحمه الله-يفرق بين من يرتكب المعاصي من غير استحلال، وبين من يصر على ترك الفرائض، فيعتبر الأول عاصيًا، وتارك الفرائض متعمدًا من غير جهل ولا عذر كافرًا، فمناط التكفير عنده مجرد ترك الفرائض والإصرار على ذلك، ولو لم يجحد أو يكذب، بخلاف فاعل المعاصي فلا يكفر إلا إذا استحل وشبه- رحمه الله- تارك الفرائض مع المعرفة والإقرار بعلماء اليهود، حيث أنهم عرفوا الرسول صلى الله عليه وسلم وأقروا باللسان لكنهم لم يتبعوه، ويلاحظ في هذا الكلام تنبيه الإمام رحمه الله إلى أن القول بأن ترك الفرائض من غير جحود كفعل المعاصي من غير الاستحلال هو مذهب المرجئة.

5 -ومن الأقوال المهمة ما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية عن الإمام أبي طالب المكي (*) - رحمه الله- حيث بين رحمه الله استحال-ة انفكاك الظاهر ع-ن الباط--ن أو العكس وأنه لا يصح أحدهما ولا ينفع إلا بوجود الآخر قال- رحمه الله-:) [2] (

( ... وكذلك الإيمان والإسلام أحدهما مرتبط بالآخر، فهما كشيء واحد، لا إيمان لمن لا إسلام له، ولا إسلام لمن لا إيمان له، إذ لا يخلو المسلم(من يأتي بالأعمال الظاهرة) من إيمان به يصح إسلامه، ولا يخلو المؤمن (الملتزم في الباطن) من إسلام به يحقق إيمانه (جنس العمل) من حيث اشتراط الله للأعمال الصالحة الإيمان، واشترط للإيمان الأعمال الصالحة فقال في تحقيق ذلك: (فمن يعمل الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه ) ) [3] (، وقال في تحقيق الإيمان بالعمل:(ومن يأته مؤمنًا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى ) ) [4] (فمن كان ظاهره أعمال الإسلام ولا يرجع إلى عقود الإيمان بالغيب، فهو منافق نفاقًا ينقل عن الملة، ومن كان عقده الإيمان بالغيب(التصديق والقبول) ولا يعمل بأحكام الإيمان، وشرائع الإسلام (أي تارك لجنس العمل) ، فهو كافر كفرًا لا يثبت مع--ه توح--يد، وم--ن كان مؤمنًا بالغيب مما أخبرت به الرسل عن الله عاملًا بما أمر الله فهو مؤمن مسلم ...

(1) السنة لعبد الله بن أحمد 1/ 347، 348.

(*) أبو طالب المكي: هو: محمد بن علي بن عطية الحارثي المكي أبو طالب الإمام الزاهد، صاحب كتاب: قوت القلوب، وروى عن: أبي بكر الآجري وأبي خلاد النصيبي وعلي بن أحمد المصيصي وعنه: عبد العزيز الازجي، قال الخطيب: حدثني العتيقي والأزهر أنه كان مجتهدًا في العبادة، وقال لي أبو طاهر العلاف وعظ أبو طالب ببغداد وخلط في كلامه .. انظر تاريخ بغداد 3/ 89، المنتظم لابن الجوزي 7/ 189، البداية والنهاية لابن كثير 11/ 319، سير أعلام النبلاء 16/ 536.

(2) ما بين المعكوفتين ليس من كلام الإمام، وإنما أضفتها لإيضاح المعنى.

(3) سورة الأنبياء، آية: 94.

(4) سورة طه، آية: 75.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت