فاسقًا؟ على قولين: وهذا الفرض باطل، فإنه يمتنع في الفطرة أن يكون الرجل يعتقد أن الله فرضها عليه، وأنه يعاقبه على تركها، ويصبر على القتل ولا يسجد لله سجدة من غير عذر له في ذلك، هذا لا يفعله بشر قط، بل ولا يضرب أحد ممن يقر بوجوب الصلاة إلا صلى، ولا ينتهي الأمر به إلى القتل، وسبب ذلك أن القتل ضرر عظيم لا يصبر عليه إنسان، إلا لأمر عظيم مثل لزومه لدين يعتقد أنه إن فارقه هلك فيصبر عليه حتى يقتل، وسواء كان الدين حقًا أو باطلًا، أما مع اعتقاده أن الفعل يجب عليه باطنًا فلا يكون فعل الصلاة أصعب عليه من احتمال القتل قط ... )) [1] (.
وقال في موضع آخر: ( ... ولا يتصور في العادة أن رجلًا يكون مؤمنًا بقلبه، مقرًا، بأن الله أوجب عليه الصلاة، ملتزمًا لشريعة النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به، يأمره ولي الأمر بالصلاة فيمتنع حتى يقتل، ويكون مع ذلك مؤمنًا في الباطن، وقد لا يكون إلا كافرًا، ولو قال: أنا مقر بوجوبها غير أني لا أفعلها كان هذا القول مع هذه الحال كذبًا منه ... فهذا الموضع ينبغي تدبره فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن زالت عنه الشبهة في هذا الباب، وعلم أن من قال من الفقهاء أنه إذا أقر بالوجوب وامتنع عن الفعل لا يقتل، أو يقتل مع إسلامه، فإنه قد دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية، والتي دخلت على من جعل الإرادة الجازمة مع القدرة التامة لا يكون بها شيء من الفعل، ولهذا كان الممتنعون من قتل هذا من الفقهاء بنوه على قولهم في"مسألة الإيمان"، وأن الأعمال ليست من الإيمان، وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم القلب، وأن، إيمان القلب التام، بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع، سواء جعل الظاهر من لوازم الإيمان، أو جزء من الإيمان كما تقدم بيانه ) ) [2] (.
إذًا هناك فرق بين من يمتنع عن الفعل حتى يقتل، وبين من يتركها كسلًا مع اعتقاد الوجوب (ومن أطلق من الفقهاء أنه لا يكفر إلا من يجحد وجوبها، فيكون الجحد عنده متناولًا للتكذيب بالإيجاب، ومتناولًا للامتناع عن الاقرار والالتزام ... ) ) [3] (.
فهذا الكلام من شيخ الإسلام- رحمه الله- يجيب على تساؤل مهم، يرد على أذهان بعض أهل العلم، وهو ظنهم: أن القول بإجماع أهل السنة بكفر تارك جنس العمل يلزم منه تكفير من المسلمين ممن حاله التفريط في الفرائض، وفعل المحرمات، وهذا الظن فاسد من وجوه:
(1) مجموع الفتاوى 7/ 219، وانظر نصًا مشابهًا في كتاب الصلاة لابن القيم 32.
(2) مجموع الفتاوى 1/ 615، 616، وانظر 22/ 47 - 49.
(3) نفسه 20/ 98.