فهرس الكتاب

الصفحة 330 من 348

2 -ويمكن أن يقال: إن النفاق كالإيمان أصله في القلب والذي يظهر من الأقوال والأفعال فرع له ودليل عليه، فإذا وجدت مثل هذه الصفات كان ذلك دليلًا على نفاق صاحبها) [1] (، وإن كان الغالب على المنافقين أن لا يظهروا للمؤمنين ما يدل على نفاقهم إلا حينما يحصل للمسلمين مصيبة أو ابتلاء وشدة.

3 -ويمكن أن يقال - أيضًا: إن بعض هذه الصفات وإن اتصف بها المنافقون غالبًا إلا أنها قد لا تختص بالمنافقين فقط، فقد يجاهر بها من يدعي الإسلام، فيوالي الكفار ولاءًا ظاهرًا، أو يعيب وينتقص الرسول صلى الله عليه وسلم علنًا، فيكفر بذلك، ويكون كفره كفرًا ظاهرًا، وليس كفر نفاق) [2] (والله أعلم.

الثاني: ورد في بعض الآيات ما يدل على إيمان بعض المنافقين قبل أن يظهروا الكفر، مثل قوله تعالى عن طائفة من المنافقين: [لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم] ) [3] (، وقوله عن طائفة أخرى: [يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا] ) [4] (.

فإذا كان هؤلاء منافقين يبطنون الكفر، فهم كفار قبل أن يظهروا الكفر بألسنتهم، فكيف يقال: [قد كفرتم بعد إيمانكم] ؟

قبل الإجابة على هذا السؤال من المفيد الإشارة إلى أن المنافقين، أصناف"فمنهم من ينتفي عنه قول القلب، بعدم التصديق، وعمله - بعدم الانقياد) [5] ، مع الانقياد ظاهرًا ومنهم من ينتفي عنه عمل القلب من النية والإخلاص والإذعان، مع انقياد الجوارح الظاهرة، وقد يوجد قول القلب من التصديق ونحوه) [6] (."

وهناك صنف ثالث"يعرفون الحق بقلوبهم وينقادون له أحيانًا، إلا أن ضعف الإيمان في قلوبهم يجعلهم ينقلبون على أعقابهم أحيانًا أخرى، إما ضعفًا في قول القلب وشكا وترددًا وإما ضعفًا في عمل القلب من الانقياد والمحبة والتعظيم والتوقير") [7] (.

ومثال الصنف الأول: تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم، ومثال الصنف الثاني: الإعراض والتولي، أو مظاهرة الكافرين على المؤمنين، وقد سبق الإشارة إلى ذلك.

أما الصنف الثالث: فهو مجال حديثنًا هنا، وهو ما ذكر في السؤال من نفاق المرء بعد دخوله في الإيمان قبل ذلك.

وقد ذكر الله سبحانه عن هذا النوع، حيث قال سبحانه: [مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون] ) [8] (.

والصحيح في تفسيرها ما ذكره الحافظ ابن كثير - رحمه الله - حيث قال:"وفي هذا المثل دلالة على أنهم آمنوا ثم كفروا كما أخبر تعالى عنهم في غير هذا الموضع ... وقد حكى هذا الذي قلنا الرازي في تفسيره عن السدي، ثم قال: والتشبيه ههنا في غاية الصحة، لأنهم بإيمانهم اكتسبوا أولًا نورًا ثم بنفاقهم ثانيًا أبطلوا ذلك فوقعوا في حيرة عظيمة، وزعم ابن جرير، أن المضروب لهم المثل ههنا لم يؤمنوا في وقت من الأوقات، واحتج بقوله تعالى: [ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين] ) [9] (، والصواب: أن هذا إخبار عنهم في حال نفاقهم وكفرهم وهذا لا ينفي أنه كان حصل لهم إيمان قبل ذلك، ثم سلبوه وطبع على قلوبهم، ولم يستحضر ابن جرير هذه الآية ههنا، وهي قوله تعالى: [ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون] ) [10] (") [11] (.

وهذه حال كثير من أهل القبلة ممن أسلم حديثًا أو ممن آمنوا إيمانًا مجملًا، ولديهم ضعف في إيمانهم بسبب اختلاطه بشيء من الشك والريب أو ضعف في الانقياد والمحبة أو اتصافه ببعض شعب النفاق المذكورة في الأحاديث، فقد يؤدي هذا الضعف إلى الخروج من الإيمان بالكلية، فكما أن المعاصي بريد الكفر، فشعب النفاق بريد النفاق الأكبر، وقد أفاض شيخ الإسلام - رحمه الله - في بيان هذه الحقيقة وما قال في ذلك:"... فعامة الناس إذا أسلموا بعد كفر، أو ولدوا على الإسلام والتزموا شرائعه، وكانوا من أهل الطاعة لله ورسوله، فهم مسلمون ومعهم إيمان مجمل، ولكن دخول حقيقة الإيمان إلى قلوبهم إنما يحصل شيئًا فشيئًا إن أعطاهم الله ذلك، وإلا فكثير من الناس لا يصلون لا إلى اليقين ولا إلى الجهاد، ولو شككوا لشكوا، ولو أمروا بالجهاد لما جاهدوا، وليسوا كفارًا ولا منافقين، بل ليس عندهم من علم القلب ومعرفته ويقينه ما يدرأ الريب، ولا عندهم من قوة الحب لله ولرسوله، ما يقدمونه على الأهل والمال، وهؤلاء إن عرفوا من المحنة وماتوا دخلوا الجنة، وإن ابتلوا بمن يورد عليهم شبهات توجب ريبهم، فإن لم ينعم الله عليهم بما ينزل الريب وإلا ص-اروا مرتابين، وانتقلوا إلى نوع من النفاق") [12] (ثم بين المقصود بقوله تعالى: [لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم] ) [13] (، فقال:"فدل على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفرًا، بل"

(1) انظر الصارم المسلول 35، ولذلك تكلم الفقهاء عن"توبة الزنديق"وهو الذي يظهر منه أنه يكتم المنافق.

(2) يقول شيخ الإسلام - رحمه الله - (الكفر نوعان: كفر ظاهر، وكفر نفاق، فإذا تكلم في أحكام الآخرة، كان حكم المنافق حكم الكفار، وأما في أحكام الدنيا، فقد تجرى(على المنافق أحكام المسلمين) الأوسط 122، 123.

(3) سورة التوبة، آية: 66.

(4) سورة التوبة، آية: 74.

(5) أعلام السنة المنشور 149.

(6) معارج القبول 2/ 22.

(7) حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة، محمد عبد الهادي المصري 122،123.

(8) سورة البقرة، آية: 17.

(9) سورة البقرة، الآية: 8.

(10) سورة المنافقون، آية: 3.

(11) تفسير ابن كثير 1/ 53، وانظر تفسير الطبري 1/ 384 - 325، وقد أطال شيخ الإسلام في شرح هذا الأمر وتقريره، الإيمان 260 - 264.

(12) الإيمان 257، 258.

(13) التوبة: 66.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت