يتضح لنا من النقل السابق أن العلم والمعرفة والتصديق (أي قول القلب) ، إن لم يصحبها الانقياد والاستسلام والخضوع، (أي عمل القلب والجوارح) لم يكن المرء مؤمنًا، بل تصديق هذا شر من عدمه [1] لأنه ترك الانقياد مع علمه ومعرفته.
والدليل على أن التصديق والمعرفة فقط لا تنفع صاحب-ها وصف الله به إبليس بقوله: (خلقتنى من نار) [2] وقوله: (فبعزتك لأغوينهم أجمعين) [3] ، فأخبر أنه قد عرف أن الله خلقه، ولم يخضع لأمره فيسجد لآدم كما أمره، فلم ينفعه معرفته إذ زايله الخضوع.
والدليل على ذلك أيضًا شهادة الله على قلوب بعض اليهود أنهم يعرفون النبي - صلى الله عليه وسلم - وما أنزل إليهم كما يعرفون أبناءهم، فلا أحد أصدق شهادة على ما في قلوبهم من الله، إذ يقول لنبيه: (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به) [4] ، وقال: (يعرفونه كما يعرفون أبناءهم) [5] ، وقال: (ليكتمون الحق وهم يعلمون) [6] فشهد على قلوبهم بأنها عارفة عالمة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يوجب لهم اسم الإيمان بمعرفتهم وعلمهم بالحق إذ لم يقارن معرفتهم التصديق والخضوع لله ولرسوله بالتصديق له والطاعة [7] .
ومما يجدر ذكره أن بعض السلف يطلق التصديق أو اعتاد القلب ويقصد به قول القلب وعمله جميعًا، أو عمل القلب وحده.
يقول الإمام أحمد - رحمه الله:"وأما من زعم أن الإيمان الإقرار، فما يقول في المعرفة؟ هل يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار؟ وهل يحتاج أن يكون مصدقًا بما عرف؟ فإن زعم أنه يحتاج على المعرفة مع الإقرار، فقد زعم أنه من شيئين، وإن زعم أنه يحتاج أن يكون مقرا ومصدقا بما عرف، فهو من ثلاثة أشياء، وإن جحد وقال: لا يحتاج إلى المعرفة والتصديق فقد قال قولًا عظيمًا [8] فالملاحظ من كلام الإمام أحمد أنه يعني بالتصديق عمل القلب ويعني بالمعرفة قول القلب، أما الإقرار فقول اللسان [9] وقال الإمام أبو ثور لما سئل عن الإيمان ما هو؟: (فاعلم يرحمنا الله وإياك أن الإيمان"
(1) للاستزاده راجع الصارم المسلول / 520 - 525.
(2) سورة الأعراف، آية: 12
(3) سورة ص، آية: 82
(4) سورة البقرة، آية: 89
(5) سورة البقرة، آية 146
(6) سورة البقرة، آية: 146
(7) انظر تعظيم قدر الصلاة للمروزي 2/ 696، 698
(8) الإيمان 376
(9) يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (فأراد أحمد بالتصديق أنه مع المعرفة به صار القل-ب مصدقا له، تابعًا له، محبًا له، معظمًا له .. وهذا أشبه بأن يحمل عليه كلام الإمام أحمد) الإيمان 380