تصديق بالقلب والقول باللسان وعمل بالجوارح، وذلك أنه ليس بين أهل العلم خلاف في رجل لو قال: أشهد أن الله عز وجل واحد، وأن ما جاءت به الرسل حق، وأقر بجميع الشرائع، ثم قال: ما عقد قلبي على شيء من هذا ولا أصدق به أنه ليس بمسلم ولو قال: المسيح هو الله، وجحد أمر الإسلام، قال لم يعتقد قلبي على شيء من ذلك أنه كافر بإظهار ذلك وليس بمؤمن، فلما [1] لم يكن بالإقرار إذا لم يكن معه التصديق مؤمنًا ولا بالتصديق إذا لم يكن معه الإقرار مؤمنًا، حتى يكون مصدقًا بقلبه مقرًا بلسانه فإذا كان تصديق بالقلب وإقرار باللسان كان عندهم مؤمنًا [2] وعند بعضهم لا يكون حتى يكون مع التصديق عمل، فيكون بهذه الأشياء إذا اجتمعت مؤمنًا ... ) [3]
ثم رد على من أخرج العمل من الإيمان فالغالب أنه يقصد بالتصديق هنا (قول القلب وعمله) والله أعلم
يقول ابن تيمية (وكذلك قول من قال: اعتقاد بالقلب، وقول باللسان وعمل بالجوارح، جعل القول والعمل اسمًا لما يظهر، فاحتاج أن يضم إلى ذلك اعتقاد القلب، ولا بد أن يدخل في قوله: اعتقاد القلب، أعمال القلب المقارنة لتصديقه، مثل حب الله، وخشية الله والتوكل عليه، ونحو ذلك، فإن دخول أعمال القلب في الإيمان أولى من دخول أعمال الجوارح باتفاق الطوائف كلها) [4]
ويقول الإمام ابن القيم موضحًا ذلك: (ونحن نقول: الإيمان هو التصديق، ولكن ليس التصديق مجرد اعتقاد صدق المخبر دون الانقياد له، ولو كان مجرد اعتقاد التصديق إيمانًا لكان إبليس وفرعون وقومه وقوم صالح واليهود الذين عرفوا أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما يعرفون أبناءهم مؤمنين صادقين) [5]
ونختم هذا البحث بالتأكيد على أهمية الخضوع والاستسلام والانقياد (عمل القلب والجوارح) وأنه أساس دعوة الأنبياء والرسل، وأن قضيتهم مع أقوامهم دائمًا ليست قضية المعرفة والعلم المجرد (أي قول القلب) قال تعالى: (فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) [6]
وقال تعالى: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًا) [7]
(1) قال محقق"شرح أصول اعتقاد أهل السنة"لم أجد جواب لما في السياق
(2) عند أبي حنيفة وأصحابه
(3) شرح أصول اعتقاد أهل السنة 4/ 849، 850
(4) الإيمان الأوسط ص 48
(5) الصلاة وحكم تاركها، 44، 45
(6) سورة الأنعام، أية: 33
(7) سورة النمل، آية: 14
(*) أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الشافعي، ولد في جرجان سنة 383 ه-، من أشهر شيوخه أبو بكر القفال أخذ عنه الفقه الشافعي، وكان الحليمي من مجتهدي المذهب، وهو رئيس المحدثين والمتكلمين فيما وراء النهر وكان ذكيًا مناظرًا طويل الباع في الأدب والبيان، له تصانيف من أشهرها"المنهاج في شعب الإيمان"توفي سنة 403 ه- في بخارى، سير أعلام النبلاء 17/ 231 - 234 وانظر ترجمة موسعة في مقدمة كتابة المنهاج.