كما في مسند الإمام أحمد عن عمرو بن عبسة قال: جاء رجل إلي النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (( يا ر سول الله ما الإسلام؟ قال: (( أن تسلم قلبك لله، وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك ) )، قال: فأي الإسلام أفضل؟ قال: (( الإيمان، قال: وما الإيمان؟ قال: (( أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت ) ).. الحديث [1] .. فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الإيمان أفضل الإسلام، وأدخل فيه الأعمال ... وبهذا التفصيل الذي ذكرناه يزول الاختلاف فيقال: إذا أفرد كل من الإسلام والإيمان بالذكر فلا فرق بينهما حينئذ، وإن قرن بين الاسمين كان بينهما فرق ... ) [2] .
5 -وأخيرًا لعلنا نذكر ما يمكن أن نعتبره أهم دليل يعتمده من يفرقون بينهما: وهو حديث جبريل المشهور وفيه قال جبريل عليه السلام: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا ) )، فقال: صدقت، فتعجبنا من سؤاله وتصديقه. ثم قال: فما الإيمان؟ قال: (( أن تؤمن بالله وحده وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث بعد الموت والجنة والنار، وبالقدر خيره وشره ) ). فقال: صدقت، ثم قال: فما الإحسان؟ إلى أن قال - صلى الله عليه وسلم: (( ذلك جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم ) ) [3] .
قال الإمام أبو عمرو بن الصلاح تعليقًا على هذا الحديث: (هذا بيان لأصل الإيمان وهو التصديق الباطن وبيان لأصل الإسلام، وهو الاستسلام والانقياد الظاهر) [4] ..
ثم إن اسم الإيمان يتناول ما فسر به الإسلام في هذا الحديث وسائر الطاعات لكونها ثمرات للتصديق الباطن الذي هو أصل الإيمان، ومقويات ومتممات وحافظات له، ولهذا فسر - صلى الله عليه وسلم - الإيمان في حديث وفد عبد القيس بالشهادتين والصلاة والزكاة وصوم رمضان، وإعطاء الخمس من المغنم، ولهذا لا يقع اسم المؤمن المطلق على من ارتكب كبيرة أو بدل فريضة، لأن اسم الشيء مطلقًا يقع على الكامل منه، ولا يستعمل في الناقص ظاهرًا إلا بقيد، ولذلك جاز إطلاق نفيه عنه في قوله - صلى الله عليه وسلم: (( لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ) )واسم الإسلام يتناول أيضًا ما هو أصل الإيمان وهو التصديق الباطن، ويتناول أصل الطاعات. فإن ذلك كله
(1) مسند الإمام أحمد 4/ 114، قال الهيثمي: (رواه أحمد والطبراني في الكبير بنحوه ورجاله ثقات) مجمع الزوائد 1/ 59 وانظر شواهد للحديث في تعظيم قدر الصلاة للمروزي 2/ 595 - 607.
(2) جامع العلوم والحكم ص 26 وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أحد عشر مثالًا لهذه القاعدة راجع الإيمان 152 - 161، وراجع 340 - 341.
(3) رواه البخاري، الإيمان باب سؤال جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - رقم 50 الفتح 1/ 114، ومسلم الإيمان باب الإيمان والإسلام والإحسان ) (مسلم بشرح النووي 1/ 150 - 160) .
(4) يقول ابن تيمية تعليقًا على ذلك ( ... وقوله: إن الحديث ذكر فيه أصل الإيمان وأصل الإسلام، قد يورد عليه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجاب عن الإيمان والإسلام بما هو من جنس الجواب بالحد عن المحدود، فيكون ما ذكره مطابقًا لهما لا لأصليهما فقط، فالإيمان هو الإيمان بما ذكره باطنًا وظاهرًا، ولكن ما ذكره من الإيمان تضمن الإسلام، كما أن الإحسان تضمن الإيمان) الإيمان 346.