فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 348

استسلام قال: فخرج مما ذكرناه وحققناه أن الإيمان والإسلام يجتمعان ويفترقان، وأن كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا قال: وهذا تحقيق وافر بالتوفيق بين متفرقات نصوص الكتاب والسنة الواردة في الإيمان والإسلام التي طالما غلط فيها الخائضون، وما حققناه من ذلك موافق لجماهير العلماء من أهل الحديث وغيرهم) [1] .

ويستنبط شيخ الإسلام ابن تيمية من هذا الحديث القاعدة التالية وهى أن (الإحسان أعم من جهة نفسه، وأخص من جهة أصحابه من الإيمان، والإيمان أعم من جهة نفسه، وأخص من جهة أصحابه من الإسلام، فالإحسان يدخل فيه الإيمان، والإيمان يدخل فيه الإسلام، والمحسنون أخص من المؤمنين، والمؤمنون أخص من المسلمين [2] .. فجعل الدين ثلاث طبقات: أولها الإسلام، وأوسطها الإيمان، وأعلاها الإحسان، ومن وصل إلى العليا، فقد وصل إلى التي تليها، فالمحسن مؤمن، والمؤمن مسلم، وأما المسلم فلا يجب أن يكون مؤمنًا(أي الإيمان التام) [3] .

وقال الخطابي: (والصحيح من ذلك أن يقيد الكلام في هذا، ولا يطلق، وذلك أن المسلم قد يكون مؤمنًا في بعض الأحوال، ولا يكون مؤمنًا في بعضها، والمؤمن مسلم في جميع الأحوال، فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمن، وإذا حملت الأمر على هذا استقام لك تأويل الآيات واعتدل القول فيها، ولم يختلف شيء منها .. ) [4] .

لكن - بعدما عرفنا أن مرتبة الإيمان أعلى - كيف يكون معناهما عند الاقتران؟ قالوا: (حقيقة الفرق أن الإسلام دين، والدين مصدر دان يدين دينًا: إذا خضع وذل، ودين الإسلام الذي ارتضاه الله، وبعث به رسله هو الاستسلام لله وحده .. وهو الخضوع له، والعبودية له، هكذا قال أهل اللغة: أسلم الرجل إذا استسلم، فالإسلام في الأصل من باب العمل، عمل القلب والجوارح. وأما الإيمان فأصله تصديق وإقرار ومعرفة، فهو من باب قول القلب المتضمن عمل القلب والأصل فيه التصديق، والعمل تابع له، فلهذا فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - الإيمان بإيمان القلب وبخضوعه،(أي قول القلب وعمله) وفسر الإسلام باستسلام مخصوص هو المباني الخمس، هكذا في سائر كلامه - صلى الله عليه وسلم: يفسر الإيمان بذلك النوع، ويفسر الإسلام بهذا، وذلك النوع أعلى) [5] ، لأن المؤمن الإيمان التام لابد أن يكون مسلمًا، ولذلك ورد في الشرع إطلاق الإيمان على أعمال الجوارح.

أما المسلم فلا يلزم أن يكون تام الإيمان، يقول الإمام ابن رجب: (قال المحققون من العلماء: كل مؤمن مسلم، فإن من حقق الإيمان ورسخ في قلبه قام بأعمال الإسلام كما قال - صلى الله عليه وسلم: (( ألا وإن في الجسد مضغة

(1) نقلًا عن شرح النووي على مسلم 1/ 148.

(2) الإيمان 6.

(3) الإيمان 341، 342، وراجع شرح الطحاوية 390 (نفس النص تقريبًا) والاختلاف هنا حين الاقتران، وأما عند الإفراد فالمسلم الممدوح هو المؤمن الممدوح.

(4) شرح النووي على مسلم 145 وراجع جامع العلوم والحكم 27، وراجع كلامًا آخر للخطابي بنفس المعنى، أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري 1/ 160 - 161.

(5) الإيمان 249، 250.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت