فمن زعم أن من أتى كبيرة، زال عنه اسم الإيمان، لزمه أن يسقط عنه هذه الفرائض كلها، لأن الله إنما أوجبها على المؤمنين باسم الإيمان،] إلى أن قال [: (وقال الله:(فتحرير رقبة مؤمنة) [1] فما تقولون في أمة أو عبد مسلم يصوم ويصلي، ويؤدى الفرائض إلا أنها سرقت، أو شربت خمرًا هل يجوز عتقها عن من عليه عتق رقبة؟ فإن أجازوا عتقها، فقد أثبتوا لها اسم الإيمان، وتركوا قولهم، وإن قالوا: ليست بمؤمنة، وعتقها جائز، خالفوا حكم الكتاب، وإن زعموا أن عتقها ليس بجائز، خرجوا من لسان الأمة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأمة السوداء حين امتحنها بالشهادتين، فأقرت: (( اعتقها، فإنها مؤمنة ) )ولم يقل: إنها مسلمة) [2] .
وقال في تفسير قوله - صلى الله عليه وسلم: (( لا يزني الزاني ... الحديث ) ): (فالذي صح عندنا في معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم:(( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ) ) [3] وما روي من الأخبار مما يشبه هذا أن معنى ذلك كله أن من فعل تلك الأفعال لا يكون مؤمنًا مستكمل الإيمان، لأنه قد ترك بعض الإيمان نفي عنه الإيمان، يريد به الإيمان الكامل، ولا جائز أن يكون معناه غير ذا، قلنا: لأن في إزالة الإيمان بأسره عنه حتى لا يبقى فيه منه شيء إزالة لاسم الإيمان عنه، وفي إزالة اسم الإيمان عنه إسقاط الفرائض، والأحكام التي أوجبها الله تبارك وتعالى، وإسقاط الحدود عنه ... ) [4] .
وقالوا في الرد على بعض أدلة من يفرقون بينهما:
1 -قال المروزي: (وأما احتجاجهم بقول الله تبارك وتعالى:(قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) [5] وبحديث سعد بن أبي وقاص أنه قال لرجل: أراه مؤمنًا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - (( أو مسلم؟ ) ) [6] فإن ذلك ليس بخلاف مذهبنا، وذلك أنا نقول: إن الرجل قد يسمى مسلمًا على وجهين: أحدهما نية، والجهة الأخرى أن يخضع ويستسلم للرسول وللمؤمنين، خوفًا من القتل والسبي، فيقال: قد أسلم أي خضع خوفًا وتقية، ولم يسلم لله، وليس هذا الإسلام الذي اصطفاه الله وارتضاه، الذي هو الإيمان الذي دعا الله العباد إليه، والدليل على ذلك قوله: (قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم) [7] ، يريد: ولم يدخل الإيمان في قلوبكم، نظير ذلك قوله: (وآخرين منهم لما يلحقوا بهم) [8] ، يريد: لم يلحقوا بهم .. وكذلك
(1) سورة النساء، آية: 92.
(2) تعظيم قدر الصلاة 2/ 536 - 540، وحديث الجارية، رواه مسلم كتاب المساجد (( باب تحريم الكلام في الصلاة ) )رقم 537.
(3) سبق تخريجه ص 48.
(4) تعظيم قدر الصلاة 2/ 576.
(5) سورة الحجرات، آية: 14.
(6) سبق تخريجه ص 56.
(7) سورة الحجرات، آية: 14.
(8) سورة الجمعة، آية:3.