حدثنا محمد بن يحيي، ثنا محمد بن يوسف، ثنا سفيان عن مجاهد في قوله: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) ، قال: استسلمنا خوف السبي والقتل [1] .. إلى أن قال: فكذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لسعد: (( أو مسلم؟ ) )إنما يريد الإسلام الذي هو استسلام من مخافة النبي - صلى الله عليه وسلم -، والمسلمين، وذلك إسلام المنافقين، وليس بإسلام المؤمنين) [2] .
وقال الإمام البخاري: (باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل، لقوله تعالى:(قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) فإذا كان على الحقيقة فهو على قوله جل ذكره: (إن الدين عند الله الإسلام) [3] ثم ذكر حديث سعد بن أبي وقاص.
قال الشارح الحافظ ابن حجر: (( قوله:(باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة) حذف جواب قوله (( إذا ) )للعلم به كأنه يقول: إذا كان الإسلام كذلك لم ينتفع به في الآخرة، ومحصل ما ذكره واستدل به أن الإسلام يطلق ويراد به الحقيقة الشرعية، وهو الذي يراد في الإيمان وينفع عند الله،، وعليه قوله تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام) [4] وقوله تعالى: (فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين) [5] .
ويطلق ويراد به الحقيقة اللغوية وهو مجرد الانقياد والاستسلام، فالحقيقة في كلام المصنف هنا هي الشرعية) [6] . وخلاصة ما سبق من كلامهم أن الإسلام الشرعي الذي ينفع عند الله مرادف للإيمان أما الإسلام المذكور في الآية السابقة وحديث سعد فهو إسلام لا ينفع عند الله، ومن ثم فليس بينه وبين الإيمان علاقة.
2 -قال الإمام المروزي: (وأما احتجاجهم بأن الله جعل اسم مؤمن اسم ثناء وتزكية، وأوجب عليه الجنة، ثم أوجب النار على الكبائر، فدل بذلك على أن اسم الإيمان زائل عن كل من أتى كبيرة، فإنا نقول: إن اسم المؤمن قد يطلق على وجهين، اسم بالخروج من ملل الكفر، والدخول في الإسلام، وبه تجب الفرائض التي أوجبها الله على المؤمنين، ويجري عليها الأحكام والحدود التي جعلها الله بين المؤمنين. واسم يلزم بكمال الإيمان، وهو اسم ثناء وتزكية، يجب به دخول الجنة، والفوز من النار، فالمؤمنون الذين خاطبهم الله بالفرائض، والحلال، والحرام، والأحكام، والحدود، الذين لزمهم الاسم بالدخول في الإسلام بالإقرار والتصديق، والخروج من ملل الكفر، والمؤمنون الذين زكاهم، وأثني عليهم، ووعدهم الجنة هم الذين أكملوا إيمانهم باجتناب كل المعاصي، واجتناب
(1) أخرجه الطبري 26/ 90، وقال ابن تيمية (هذا منقطع، سفيان، لم يدرك مجاهدًا) ، الإيمان 226 - 227.
(2) تعظيم قدر الصلاة 2/ 553 - 555.
(3) سورة آل عمران، آية: 19.
(4) سورة آل عمران، آية: 19.
(5) سورة الذاريات، آية: 36.
(6) فتح الباري 1/ 79.