والتوكل .. الخ كل ذلك من الطاعات وهو من الإيمان كما سبق، ومن ثم يتفاوت الناس فيه، والأمر في هذا بين، فهل يمكن أن يقال إن الناس متساوون في حبهم وبغضهم وخوفهم ورجائهم؟ كذلك أيضًا يقولون إن الإيمان ينقص بالحسد والكبر والعجب إلخ مما ينافي عمل القلب الواجب أيضًا التصديق والمعرفة والعلم (أي قول القلب) تشمله الزيادة والنقصان وهو من الطاعات [1] .
يقول ابن رجب رحمه الله ( ... التصديق القائم بالقلوب يتفاضل، وهذا هو الصحيح .. فإن إيمان الصديقين الذي يتجلى الغيب لقلوبهم حتى يصير كأنه شهادة بحيث لا يقبل التشكيك والارتياب ليس كإيمان غيرهم ممن لا يبلغ هذه الدرجة بحيث لو شكك لدخله الشك ) [2] .
ويقول الإمام النووي: (فالأظهر والله أعلم أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر وتظاهر الأدلة، ولهذا يكون إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم، بحيث لا تعتريهم الشبهة ولا يتزلزل إيمانهم بعارض، بل لا تزال قلوبهم منشرحة نيرة وإن اختلفت عليهم الأحوال، وأما غيرهم من المؤلفة ومن قاربهم ونحوهم فليسوا كذلك، فهذا مما لا يمكن إنكاره، ولا يشك عاقل في أن نفس تصديق أبي بكر الصديق رضي الله عنه لا يساويه آحاد الناس) [3] .
وعلق الحافظ ابن حجر في الفتح على (باب قول النبي صلى الله عليه وسلم"أنا أعلمكم بالله"وأن المعرفة فعل القلب ... ) مبينًا ما يؤخذ من الترجمة، قال (فيه دليل على زيادة الإيمان ونقصانه لأنه قوله صلى الله عليه وسلم"أنا أعلمكم بالله"ظاهر في أن العلم بالله درجات، وأن بعض الناس فيه أفضل من بعض) [4] .
يؤخذ من النصوص السابقة القول بتفاضل التصديق والمعرفة، وأن ذلك يكون بكثرة الأدلة وقوتها (فمن كان مستند تصديقه ومحبته أدلة توجب اليقين، وتبين فساد الشبهة العارضة، لم يكن بمنزلة من كان تصديقه لأسباب دون ذلك) [5] .
أيضًا (نفس التصديق والعلم في القلب يتفاضل باعتبار الإجمال والتفصيل، فليس تصديق من صدق الرسول مجملًا من غير معرفة منه بتفصيل أخباره كمن عرف ما أخبر به عن الله وأسمائه وصفاته والجنة والنار والأمم وصدقه في ذلك كله .. ) [6] .
(1) من المعلوم قطعًا أن طلب العلم مطلوب شرعًا، والعلم المفصل وكذلك العلم الذي يصحبه عمل أكمل وأتم وأفضل.
(2) جامع العلوم والحكم 28، وراجع المنهاج في شعب الإيمان للحليمي 1/ 55
(3) مسلم بشرح النووي 1/ 148، 149 وراجع الفتح 1/ 46
(4) فتح الباري 1/ 70
(5) الإيمان الأوسط 107
(6) الإيمان الأوسط 106