21_ خفض الصوت، والإسرار بالدعاء: قال _ تعالى _: [ادعوا ربكم تضرعًا وخفية إنه لا يحب المعتدين] الأعراف:55.
وعن أبي موسى÷قال: كنا مع النبي"فجعل الناس يجهرون في التكبير، فقال النبي":=أيها الناس، أربعوا على أنفسكم؛ إنكم لا تَدْعِون أصمَّ ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم+. (1)
هذا ولخفض الصوت والإسرار بالدعاء _ فوائد عديدة، وأسرار بديعة، وقد أشار العلامة ابن القيم× إلى شيء منها، فمن ذلك ما يلي:
أولًا _ أنه أعظم إيمانًُا؛ لأن صاحبه يعلم أن الله يسمع دعاءه الخفي، وليس كالذي قال: إن الله يسمع إن جهرنا، ولا يسمع إن أخفينا.
ثانيًا _ أنه أعظم في الأدب والتعظيم: ولهذا فإن الملوك لا تُخَطَبُ، ولا تُسْأَل برفع الصوت، وإنما تخفض عندهم الأصوات بمقدار ما يسمعونه، ومن رفع صوته عندهم مقتوه، ولله المثل الأعلى؛ فإذا كان يسمع الكلام الخفي _ فلا يليق بالأدب بين يديه إلا خفض الصوت.
ثالثًا _ أنه أبلغ في التضرع والخشوع: الذي هو روح الدعاء، ولبه، ومقصوده؛ فإن الخاشع الذليل الضارع إنما يسأل مسألة مسكين ذليل، ولا يتأتى ذلك مع رفع الصوت، بل مع خفضه.
رابعًا _ أنه أبلغ في الإخلاص.
خامسًا _ أنه أبلغ في جمعية القلب على الله في الدعاء؛ فإن رفع الصوت يفرقه، ويشتته.
سادسًا _ أنه دال على قرب صاحبه من الله: وأنه لاقترابه منه، وشدة حضوره يسأله مسألة أقرب شيء إليه، فيسأله مسألة مناجاة القريب للقريب، لا مسألة نداء البعيد للبعيد.
وهذا من النكت السرية البديعة جدًا.
سابعًا _ أنه أدعى لدوام الطلب والسؤال؛ فإن اللسان _ والحالة هذه _ لا يمل، والجوارح لا تتعب، بخلاف ما إذا رفع صوته؛ فإنه قد يكل لسانه، وتضعف بعض قواه، وهذا نظير من يقرأ أو يكرر رافعًا صوته؛ فإنه لا يطول له ذلك، بخلاف من يخفض صوته.
(1) رواه البخاري (6384) الدعوات.