تلازم نوعي الدعاء: من خلال ما مضى يتبين لنا أن نوعي الدعاء متلازمان؛ ذلك أن الله _ عز وجل _ يُدعى لجلب النفع ودفع الضر دعاء المسألة، ويدعى خوفًا ورجاءً دعاء العبادة؛ فعلم أن النوعين متلازمان؛ فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة. (1)
أمثلة لتلازمهما (2) :
1_ قال _ تعالى _: [وقال ربكم ادعوني استجب لكم] غافر: 60، أي أستجب طلبكم، وأتقبل عملكم.
ولهذا قال _ تعالى _: [إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين] غافر: 60، فسمى ذلك عبادة؛ وذلك لأن الداعي دعاء المسألة يطلب سؤله بلسان المقال، والعابد يطلب من ربه القبول والثواب، ومغفرة الذنوب بلسان الحال.
2_ قال _ تعالى _: [وادعوه مخلصين له الدين] الأعراف: 29.
فَوَضْعُ كلمة =الدِّين+ موضع كلمة =العبادة+ _ وهو كثير في القرآن _
يدل على أن الدعاء هو لب الدين، وروح العبادة.
ومعنى الآية هنا: أخلصوا له إذا طلبتم حوائجكم، وأخلصوا له أعمال البر والطاعة.
قال _ تعالى _: [وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدًا أو قائمًا] الآية، يونس: 12.
يدخل في قوله:=دعانا+ دعاءُ المسألة؛ فإنه لا يزال مُلِحًّا بلسانه، سائلًا دفع ضرورته.
ويدخل في دعاء العبادة؛ فإن قلبه في هذه الحال يكون راجيًا طامعًا، منقطعًا عن غير الله، عالمًا أنه لا يكشف ما به من سوء إلا الله، وهذا دعاء عبادة.
4_ قال _ تعالى _: [ادعوا ربكم تضرعًا وخفية] الأعراف: 55.
فقوله _ تعالى _ =ادعوا+ يدخل فيه الأمران؛ فكما أن من كمال دعاء الطلب كثرةَ التضرع، والإلحاح، وإظهار الفقر والمسكنة، وإخفاء ذلك، وإخلاصه _ فكذلك دعاء العبادة؛ فإن العبادة لا تتم، ولا تكمل إلا بالمداومة عليها، ومقارنة الخشوع، والخضوع، وإخفائها، وإخلاصها لله _ تعالى _.
(1) انظر بدائع الفوائد، 3/ 3.
(2) انظر مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية 10/ 237 _ 240 والقواعد الحسان، ص 155_157.