كذلك عد استجابة الدعاء لا تدل على فساد الداعي في كل الأحوال؛ فهناك سؤال منعه الله نبينا محمدًا"قال _ عليه الصلاة والسلام _:=سألت ربي ثلاثًا فأعطاني ثنتين، ومنعني واحدة، سألت ربي ألا يهلك أمتي بالسَّنة فأعطانيها، وسألته ألا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها+. (1) "
فالله _ عز وجل _ منع نبيه محمدًا"الدعوة الثالثة، وليس ذلك دليلًا على أن الرسول"لا مكانة له عند ربه، أو أنه غير مستجاب الدعوة، بل هو سيد البشر، ودعاؤه مستجاب، ولكن الله _ عز وجل _ منعه تلك الدعوة لحكم عظيمة؛ منها أن يُعْلَمَ أن الرسول"بشر، ليس له من الأمر شيء، وأن الأمر كله لله، بيده الضر والنفع، والعطاء والنفع."
ومنها أن هذه الأمة تعصي، والله _ عز وجل _ يقول: [ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به ولا يجد له من دون الله وليًا ولا نصيرًا] النساء: 123.
فإذا عصيت عوقبت؛ لتؤوب إلى رشدها، وتنيب إلى ربها، فتستقيم أحوالها، وتصلح أمورها، فتسعد، وتفلح.
وهذا من رحمة الله بها؛ إذ يُؤَدِّبها بهذه العقوبات.
ثم إن من رحمته بها أنه _ عز وجل _ لا يعاقبها عقوبة استئصال، بحيث تستأصل جميعها، كما حصل ذلك للأمم السابقة كعاد وثمود.
هذا وستتضح بعض الحكم من تأخر إجابة الدعاء أو عدمها في المبحث التالي زيادة على ما مضى.
من البلاء على المؤمن أن يدعو فلا يجاب، فيكرر الدعاء، ويبالغ فيه، وتطول المدة، فلا يرى أثرًا للإجابة.
ومن هنا يجد الشيطان فرصته، فيبدأ بالوسوسة له، وإساءة ظنه بربه، وإيقاعه بالاعتراض على حكمته.
(1) رواه مسلم (2890) الفتن وأشراط الساعة، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض.
(2) انظر صيد الخاطر لابن الجوزي 1/ 107 _ 110، و 178_179، و 221_222، و 2/ 291_293، و 3/ 587، والفوائد لابن القيم ص 137_139 و 178_179 و 200_202.