ثامنًا _ أن إخفاء الدعاء أبعد له من القواطع، والمشوشات، والمضعفات؛ فإن الداعي إذا أخفى دعاءه لم يَدْر به أحد، فلا يحصل هناك تشويش، ولا غيره.
وإذا جهر به تفطنت له الأرواح الشريرة، والخبيثة من الجن والإنس، فشوشت عليه ولا بد، ومانعته، وعارضته، ولو لم يكن إلا أنَّ تعلقها به يفرق عليه همته، فيضعف أثر الدعاء _ لكفى.
ومن له تجربة يعرف هذا، فإذا أسر الدعاء وأخفاه أمن هذه المفسدة.
تاسعًا _ الأمن من شر الحاسدين؛ ذلك أن أعظمَ النعم نعمةُ الإقبالِ على الله، والتعبد له، والانقطاع إليه، والتبتل إليه، ولكل نعمة حاسد على قدرها دَقَّتْ أو جَلَّتْ.
ولا نعمة أعظم من هذه النعمة؛ فأنْفُسُ الحاسدِينَ المنقطعين متعلقةٌ بها، وليس للمحسود أسلمُ من إخفاء نعمته عن الحاسد، وأن لا يقصد إظهارها له، وكم من صاحب قلب وجَمْعِيَّةٍ وحال مع الله قد تحدث بها، فسلبه إياها الأغيار، فأصبح يقلب كفيه. (1)
22_ ألا يتكلف السجع: ذلك أن حال الداعي حال ذلة وضراعة، والتكلف لا يناسب ذلك.
قال بعضهم:=ادع بلسان الذلة والافتقار، لا بلسان الفصاحة والانطلاق+. (2)
قال الخطابي×:=ويكره في الدعاء السجع، وتكلف صفة الكلام له+. (3)
ويوضح ذلك ما رواه البخاري في صحيحه من نصيحة بن عباس _ رضي الله عنهما _ لأحد أصحابه، ومما قال فيها:=فانظر السجع من الدعاء فاجتنبه؛ فإني عهدت رسول الله"وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب+. (4) "
والسجع هو الكلام المقفى بدون وزن، والمنهي عنه من السجع هو التكلف فيه؛ لأنه ينافي الخشوع والخضوع _ كما مر _.
(1) انظر بدائع الفوائد 3/ 6_10، ومجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية 15/ 15_20.
(2) إحياء علوم الدين، 1/ 306.
(3) شأن الدعاء ص 17.
(4) البخاري (6337) الدعوات، باب ما يكره من السجع في الدعاء.