فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 104

إن الواجب الأول والذي يقتضيه الاستسلام لشرع الله ورسوله، وتقتضيه التوبة الصادقة النصوح لمن ابتلي بكسب حرام أن يعمل على اجتناب كافة أسبابه وطرقه أيا كان هذا السبب، فالسارق يكف عن السرقة، والمرتشي يمتنع عن تعاطيها، والمرابي يأخذ رأس ماله ويذر ما بقي من الربا، وأهل البغي والمجون يتركون لهوهم وباطلهم وهكذا.

وكثيرا ما يسأل البعض مثلا عن كيفية التصرف في العوائد الربوية ولا يسأل عن أصل المال الذي يدر عليه هذا العائد الربوي؛ والأوجب أن يكون السؤال عن حكم استمرار المعاملة الربوية، أما كيفية التصرف في عائد الربا فهو فرع الحديث عن الأصل.

والعمل على اجتناب الحرام يجب أن يكون صادقا وفوريا بلا تردد ولا تلكؤ ولا احتيال ولا تسويغ.

وينبغي التنويه إلى عدة صور يسلكها مكتسبو المال الحرام ظنا منهم أنهم بذلك يتخلصون من عهدة الكسب الحرام، ومن ذلك:

أصل الحيلة في اللغة: الحذق في تدبير الأمور، وهو تقليب الفكر حتى يهتدي إلى المقصود [1] , وهي مشتقة من التحول وهو النوع من الحول كالجلسة والقعدة من الجلوس والقعود والأكلة والشربة من الأكل والشرب ومعناها: نوع مخصوص من التصرف والعمل الذي هو التحول من حال إلى حال هذا مقتضاه في اللغة , ثم غلبت بعرف الاستعمال على ما يكون من الطرق الخفية إلى حصول الغرض وبحيث لا يتفطن له إلا بنوع من الذكاء والفطنة فإن كان المقصود أمرا حسنا كانت حيلة حسنة , وإن كان قبيحا كانت قبيحة. [2] لكنها في عرف الفقهاء غلبت على الثاني؛ ولذلك قالوا في تعريفها:"قصد سقوط الواجب , أو حل الحرام, بفعل لم يقصد به ما جعل ذلك الفعل له, أو ما شرع" [3] وقيل:"التوصل إلى محرم بما ظاهره الإباحة" [4] وقيل"أن يظهر عقدا ظاهره الإباحة يريد به محرما مخادعة , وتوصلا إلى فعل ما حرم الله تعالى من الربا ونحوه، أو إلى إسقاط واجب لله تعالى أو لآدمي , أو إلى دفع حق عليه" [5]

وهناك صور كثيرة للاحتيال على الكسب الحرام، منها: تسمية الأشياء بغير اسمها كأن يسمي الربا بيعا، أو الرشوة إكرامية وعمولة، والنجش والتدليس والكتمان ونحوه في البيوع مهارة واحتراف في التجارة، ومنها: التلبيس على العلماء والمفتين في السؤال عن حكم الشرع لتقع الإجابة موافقة

(1) - الفيومي، المصباح المنير (157)

(2) - ابن تيمية، الفتاوى الكبرى (6/ 106)

(3) - ابن تيمية، مرجع سابق (6/ 17)

(4) - البهوتي، شرح منتهى الإرادات (2/ 76)

(5) - البهوتي، كشاف القناع (3/ 273)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت