فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 104

ولا يختلف أحد من أهل العلم في أن الله ـ تعالى ـ لا يرضى بمثل هذا العمل، ولا يثني على فاعله، ولا يعطيه أجرا على عمله هذا، وبالغ الحنفية فيه فحكموا بكفر من يبني مسجدا بمال حرام يرجو به الثواب والأجر من الله تعالى.

قال ابن عابدين نقلا عن الظهيرية:"رجل دفع إلى فقير من المال الحرام شيئا يرجو به الثواب يكفر , ولو علم الفقير بذلك فدعا له وأمن المعطي كفرا جميعا .... . قلت: الدفع إلى الفقير غير قيد بل مثله فيما يظهر لو بنى من الحرام بعينه مسجدا ونحوه مما يرجو به التقرب ; لأن العلة رجاء الثواب فيما فيه العقاب ولا يكون ذلك إلا باعتقاد حله" [1]

وإذا كان المتعبد لله بمال حرام ترد إليه عبادته وعمله، لكن في حالة ما إذا كانت القربة متعدية إلى الغير هل يجوز الاستفادة منها كالصلاة في مسجد بني من مال حرام، ثم إن كانت القربة من الفرائض المالية كالحج فهل يسقط الفرض إذا كانت نفقة الحج من مال حرام، وهل في المال حرام زكاة؟ فتلك مسائل تحتاج إلى تفصيل وبيان.

المسألة الأولى: بناء المساجد بمال حرام والصلاة فيها.

يختلف الحكم في هذه المسألة حسب حالات المال الحرام، وقصد حائزه على الوجه التالي:

أولا: إذا كان المال الحرام معلوم المالك كمال مغصوب أو مسروق، أو رشوة، أو مال نهبه البعض من خزانة الدولة ثم يظهرون بمظهر النساك ونحو ذلك فلا يجوز باتفاق بناء المساجد من هذا المال، بل الواجب والذي يفوق بناء المسجد أن يرد لأصحابه، ومن ثم يتعين لمن يعلم حقيقة هذا المسجد أن لا يصلي فيه فهو أشبه بمسجد الضرار الذي أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمسلمون بعدم الصلاة فيه، والضرار هنا: الخداع والتضليل من هؤلاء الآثمين والتستر على نشاطهم الخبيث.

قال ابن رجب:"قال أبو الفرج بن الجوزي:"رأيت بعض المتقدمين سئل عمن كسب حلالا وحراما من السلاطين والأمراء ثم بنى الأربطة والمساجد: هل له ثواب؟ فأفتى بما يوجب طيب قلب المنفق، وأن له في إيقاف ما لا يملكه نوع سمسرة؛ لأنه لا يعرف أعيان المغصوبين، فيرد عليهم.

قال: فقلت وا عجبا من متصدرين للفتوى لا يعرفون أصول الشريعة، ينبغي أن ينظر في حال هذا المنفق أولا، فإن كان سلطانا فما يخرج من بيت المال قد عرفت وجوه مصارفه، فكيف يمنع مستحقيه، ويشغله بما لا يفيد من يناء مدرسة أو رباط؟ وإن كان من الأمراء ونواب السلاطين فيجب أن يرد ما يجب إلى بيت المال، وإن كان حراما أو غصبا فكل تصرف

(1) - ابن عابدين - مرجع سابق - 2/ 292

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت