فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 104

المعروف أن المجرم قد وظف تلك الأموال واستفاد منها على وجه أهدره الشرع، فإن الشرع جرم كسبه، ونهى عنه ـ كما قدمنا في المسألة السابقة ـ فرأس مال الشركة التي أنشئت، والسلع التي تباع ونحو ذلك رأس مال خبيث محرم، وما يتولد عن الحرام فهو حرام وخبيث، وما كان محظورا أصله فتبعه أو فرعه حرام كذلك، وتدوير المال في جملة معاملات لا يزيده إلا خبثا، والحرام لا يقف عند أول معاملة أو تصرف فقط بل يشمل كافة التصرفات المبنية على المال الحرام أيا كانت الصورة التي اتخذها، كما قال أبو حامد الغزالي ـ رحمه الله ـ في النص الذي ذكرناه من قبل في مروج النقود المزورة"ترويج الزيف من الدراهم في أثناء النقد فهو ظلم؛ إذ يستضر به المعامل إن لم يعرف، وإن عرف فسيروجه على غيره، فكذلك الثالث والرابع ولا يزال يتردد في الأيدي ويعم الضرر ويتسع الفساد ويكون وزر الكل ووباله راجعا عليه، فإنه هو الذي فتح هذا الباب، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"من سن سنة سيئة فعمل بها من بعده كان عليه وزرها ومثل وزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيئا"وقال بعضهم:"إنفاق درهم زيف أشد من سرقة مائة درهم؛ لأن السرقة معصية واحدة وقد تمت وانقضت، وإنفاق الزيف بدعة أظهرها في الدين وسنة سيئة يعمل بها من بعده فيكون عليه وزرها بعد موته إلى مائة سنة أو مائتي سنة إلى أن يفنى ذلك الدرهم ويكون عليه ما فسد من أموال الناس بسنته" [1] "

فتقليب المال الحرام في معاملات متعددة لا يرفع عنه حكمه الذي لصق به وهو كونه مالا حراما لمن يتكسب منه، ولو كان تقليب المال الحرام في استثمارات متعددة من أجل التضليل سببا في إباحة مثل هذه الأفعال لفتح الباب على مصراعيه للتكسب من هذه الأبواب.

وخلاصة هذا المبحث: أن التصرف في الأموال المحرمة وتدويرها في استثمارات مختلفة مصرفية أو غير مصرفية، إبقاؤها كما هي أو تحويلها لأعيان أخرى مجرم شرعا في الفقه الإسلامي، إضافة إلى إهدار الشرع هذا التصرف وعدم ترتب أي أثر عليه.

ويلاحظ عمق نظرة الفقه الإسلامي للمال الحرام حيث لم يقف الفقه الإسلامي عند الجزئيات ويجرم حالة حالة إنما يجرم أي تصرف على المال الحرام سواء أكان بقصد إخفائه وتضليل السلطات العامة أم لم يكن التصرف كذلك، وسواء أكان تصرفا تقليديا أم لم يكن كذلك.

المطلب الخامس

تمييز مقدار الحرام من الكسب المختلط

من مقتضيات التوبة من المال الحرام بعد اجتناب الكسب المحرم، وتجنب حيازة عوائد هذا الكسب، والامتناع عن إجراء أي تصرف في تلك العوائد تمييز وإخراج القدر المحرم من الكسب إلى

(1) - أبو حامد الغزالي - إحياء علوم الدين - 2/ 105

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت