فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 104

قال أبو حامد"إذا طرح في سوق أحمال من غصب، واشتراها أهل السوق، فليس يجب على من يشتري في تلك البلدة وذلك السوق أن يسأل عما يشتريه إلا أن يظهر أن أكثر ما في أيديهم حرام، فعند ذلك يجب السؤال فإن لم يكن هو الأكثر فالتفتيش من الورع وليس بواجب"

وقال:"فإن كان الأكثر من ماله حراما لا يجوز الأكل من ضيافته، ولا قبول هديته، ولا صدقته، إلا بعد التفتيش، فإن ظهر أن المأخوذ من وحلال فذاك وإلا ترك، وإن كان الحرام أقل والمأخوذ مشتبه فهذا محل نظر؛ لأنه أعلى رتبة بين الرتبتين" [1]

وهذا القول مبني على قاعدة اعتبار الغالب.

القول الثالث: لا يجوز أخذ المال الحرام ولا الانتفاع به إذا اكتسب من طريق حرام. وهو مبني على الورع، وأن الحرام إذا خالط الحلال غلب الحرام الحلال، فقد أخرج عبد الرزاق في مصنفه عن عبد الله بن مسعود موقوفا"ما اجتمع حلال وحرام , إلا غلب الحرام الحلال" [2]

ويترجح عندي: أن التعامل مع مكتسبي الأموال المحرمة التي يكسبونها بطرق غير مشروعة وبرضا من أصحابها، إن كانت مختلطة بأموال مباحة، وكان المباح هو الأغلب فلا بأس بذلك ما دام التعامل معهم في أمور مباحة شرعا، أو في دَيْن مباح.

وإن كان المال حراما خالصا أو كان الحرام هو الأغلب فالأصل المنع إلا إذا اقتضت الضرورة، أو مست الحاجة لذلك، سواء أكانت ضرورة مكتسب المال الحرام، أم ضرورة من يتعامل معه، أما في غير ذلك فلا يجوز ذلك سدا لذريعة استمرارهم في الكسب المحرم، فغالب هؤلاء يصرون على نشاطهم بقصد الترفه، والتلذذ، فإذا منعوا من ذلك ربما دفعهم هذا إلى ترك المحرم.

ومما يقوي هذا الترجيح أنه إن عند توبتهم يترك لهم مقدار نفقتهم بالمعروف من المال الحرام الذي كسبوه، كما أن المال الذي بأيديهم ليس له مستحق معروف.

وفي جميع الأحوال إن كان الثمن أو الأجرة، أو الصداق محرما لعينه كالخمر والمخدرات ونحوها فلا يحل قولا واحدا.

وترد هنا مسألة أخرى كثيرة الوقوع وهي:

أن مكتسب المال الحرام قد يقوم بتحويل عوائد جريمته إلى أجناس أخرى ثم يتصرف فيها، ويظهر أمام السلطات العامة والمجتمع بالمظهر الطبيعي، فالبغي أو الراقصة تأخذ الأموال وتستثمرها، وكذا تاجر المخدرات ينشئ شركات، ويبني مساكن، ومصانع وغير ذلك من وسائل وطرق غسل الأموال ثم يقوم ببيع تلك المساكن والمصانع، أو إجارتها، فهل يجوز مثل هذا التصرف منه؟

(1) - أبو حامد الغزالي ـ مرجع سابق ـ 2/ 168.

(2) - الزيلعي ـ نصب الراية ـ 6/ 247.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت