ويترتب على هذا الحكم مسألة كثيرة الوقوع، وهي أن هناك من يعمل عملا مباحا لأصحاب الدخول المحرمة والخبيثة كسائق، وطباخ، ومهندس، ونجار، أو هناك من يقرض أمثال هؤلاء قرضا، ويبيع لهم شيئا مباحا فهل يجوز لمثل هؤلاء أن يأخذوا أجورهم من تلك الأموال المحرمة، أو يبيعوا لهم شيئا ويأخذوا ثمنه من تلك الأموال؟
يفرق في هذه المسألة بين كون المال الحرام المدفوع ثمنا أو أجرة أو سداد قرض مالا محرما لغيره أخذ من مالك مخصوص قهرا كالغصب والسرقة، ونحوها، أو كونه مالا محرما لغيره قد أخذ من مالك غير مخصوص برضا منه ككسب البغي ونحوه، كما يفرق أيضا بين كون الثمن والأجرة المدفوعة من مكتسب المال الحرام هي نفسها عين المال المغصوب أو المسروق كمن عمل عند لص فأعطاه جهازا كهربائيا مسروقا أجرة والأجير يعلم ذلك، وقد لا تكون الأجرة هي عين المال الحرام، وفي جميع الأحوال قد يكون المال الحرام خالصا أو مختلطا بحلال.
فإذا كان المال حراما خالصا، وله مالك مخصوص قد أُخذ منه قهرا كمغصوب، ومسروق، ورشوة ونحو ذلك، والمستأجر، أو البائع، أو المشتري يعلم ذلك فلا يحل قولا واحدا؛ لأن هذا المال له مالك، وتصرف مكتسبه فيه تصرف باطل، وإقرار مثل هذه التصرفات يؤدي إلى القول بصحة اكتسابه، ويفوت حق مالكه فيه.
قال ابن تيمية: ما في الوجود من الأموال المغصوبة والمقبوضة بعقود لا تباح بالقبض إن عرفه المسلم اجتنبه. فمن علمت أنه سرق مالا أو خانه في أمانته أو غصبه فأخذه من المغصوب قهرا بغير حق لم يجز لي أن آخذه منه ; لا بطريق الهبة ولا بطريق المعاوضة ولا وفاء عن أجرة ولا ثمن مبيع ولا وفاء عن قرض فإن هذا عين مال ذلك المظلوم." [1] "
وإذا كان المال حراما قد أخذ برضا من مالكه ككسب البغي وغيره، والمشتري، أو الدائن، أو البائع يعلم ذلك، فللعلماء فيه ثلاثة أقوال:
الأول: يجوز قبض ثمن المبيع، والوفاء بالقرض، وقبض الأجرة منه قضاء لا ديانة، وهو قول محمد بن الحسن من الحنفية.
جاء في الفتاوى الهندية:"عن محمد رحمه الله تعالى في كسب المغنية إن قضي به دين لم يكن لصاحب الدين أن يأخذه، وأما في القضاء فهو يجبر على الأخذ" [2]
الثاني: يجوز أخذ مثل هذا المال والانتفاع به سدادا عن الدين إذا كان الحلال غالبا، وهو قول ابن القاسم من المالكية، والشافعية حيث يجيزون التعامل مع من ماله مختلط ما لم يكن عين المال الذي يتعامل معه فيه حراما وكان الغالب الحلال.
(1) - ابن تيمية ـ مجموع الفتاوى ـ 29/ 323
(2) - الفتاوى الهندية ـ 5/ 349.