كالمستشفيات والمدارس وبناء القناطر وتعبيد الطرق ونحوها، ولهذا المصرف شرطان:
الأول: أن يتعذر معرفة مالك المال إن كان له مالك، أو كان له مالك معروف لكنه آثم في تعامله كالمقامر، ونحوه.
الثاني: أن يكون ذلك بقصد التخلص من الكسب الحرام، والتوبة منه، وليس من باب التحايل كما يفعل تجار المخدرات، أو محترفي الغناء والرقص، والجمعيات الماسونية المشبوهة بتقديم مساهمات سخية في المشروعات العامة بقصد التستر على جرائمهم وإظهارهم بمظهر النساك محبي الأوطان والحقيقة غير ذلك.
وهذا الشرط وإن لم يرد في كلام الفقهاء إلا أن القول به أصبح ماسا في وقتنا الراهن بعد تدثر كثير من مكتسبي المال الحرام بعباءة المشروعات الخيرية والإنفاق فيها بسخاء تغطية على جرائمهم، ومن ثم فإن ما يتحقق من مصلحة للمسلمين في إقامة مثل هذه المشروعات يقابله مفسدة أعظم من تلك المصلحة وهي ترك هؤلاء يرتعون في الكسب الحرام، وتضييع كثير من مصالح المسلمين
وقد منع الله ـ تعالى ـ النبي ـ محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ من قبول نفقات المنافقين، فقال تعالى {قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين. وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم ألا أنهم كفروا بالله وبرسوله} التوبة 53 - 54)
ولم يقبل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الصدقة ممن عاهدوا الله على الإنفاق إن أعطاهم الله من فضله، فلما أعطاهم وبخلوا ثم جاءوا يدفعونها رفضها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبو بكر وعمر وعثمان كما ذكر ذلك كثير من المفسرين وإن اختلفوا فيمن المقصود بالآيات.
ولضمان انضباط صرف المال الحرام في المصالح العامة فإنه ينبغي ألا ينفرد مكتسبه بتحديد الجهة التي ينفق فيها وحجم هذا الإنفاق بل يلزم إيكال هذا الأمر إلى جهة رسمية مشتهرة بالعفة في التعامل مع المال فإن لم يجد أعطاه إلى أمين، وإلا تولى ذلك بنفسه.
ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز التصدق بالمال الحرام على الفقراء، وهو قول الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، ونسبه الغزالي إلى الحسن، والحارث المحاسبي، وجماعة من الورعين.
قال ابن عابدين"والحاصل أنه إن علم أرباب الأموال وجب رده عليهم , وإلا فإن علم عين الحرام لا يحل له ويتصدق به بنية صاحبه." [1]
وقال المواق"من عَمِل عَمَل السلطان فظلم الناس أو كان قاهرا غاصبا أو قاطعا للسبيل أو سارقا أو تاجرا عمل بالربا , ثم مرض وأراد أن يتخلص وأنال من ذلك كله وأراد أن يوصي بماله كله عن ذلك وقال: أنا قد نلت من أموال الناس أكثر من جميع مالي ولا أعرف أصحابه , فأنا أوصي بجميع"
(1) - ابن عابدين - مرجع سابق - 5/ 93