والحديث يدل على أن الربا الموضوع هو ما لم يقبض؛ لأن ما قبض داخل في قوله تعالى {فله ما سلف} ، ولا شك أن النهي هنا وقع عن قبض تأخر ثبت بعقد وقع قبل التحريم، ومن ثم يحرم على المسلم أن يسعى في تحصيله وقبضه.
وينتفي القياس بين هذه الحالة وحالة ما إذا قبضه في كفره؛ فإن الإسلام تجاوز عن قبض مال حرام في الكفر لاعتقاد الكافر حله لكن لما دخل في الإسلام بطل هذا الاعتقاد بالشرع.
ويظهر بعد عرض هذه الأدلة والمناقشات إلى رجحان قول الجمهور لقوة أدلتهم وسلامتها من المعارض.
وخلاصة ما تقدم أن حيازة الأموال المحرمة من قبل المجرم نفسه أو من قبل خلفه منهي عنه شرعا ولا يجوز للمسلم بحال أن يضع يده على مثل تلك الأموال.
كما أن من أسلم على مال حرام إن كان هذا المال خبيثا في نفسه كالخمر والمخدرات فلا تحل حيازته، وإن كان المال حراما لغيره وليس بخبيث في نفسه وكان مجرما وفق النظام أو القانون الذي يلتزم به هذا الشخص قبل إسلامه فلا يحل له أيضا، وإن كان يحل له وفق نظامه وكسبه وقبضه قبل إسلامه فلا بأس بحيازته ومن ثم الانتفاع به، وإن تأخر قبضه إلى ما بعد إسلامه فيكون مالا محظورا.
المطلب الثالث
عدم الانتفاع الاختياري بالكسب الحرام
المقصود: ألا يستفيد مكتسب المال الحرام بكسبه في أي وجه من وجوه النفع الخاصة به، فإذا كان الحرام مطعوما فلا يحل له تناوله، أو كان ملبوسا أو مركوبا فلا يحل له استعماله ... وهكذا، وهذا له ولمن يعول.
وترد كثير من الأسئلة ممن ابتلوا بالكسب الحرام ويريدون التخلص منه لكن مع الاستفادة منه بشكل آخر، ومن ذلك:
أولا: إنفاق المال الحرام في عمل دورات المياه والمراحيض على اعتبار أن المال الحرام خبيث وقد أنفق في الخبائث.
ثانيا: إنفاق المال الحرام في شراء الوقود من غاز للبيت أو بنزين للسيارة من باب: أن هذا وجه من وجوه إحراقه.
ثالثا: دفع المال الحرام إلى الدولة لسداد ما على مكتسبه من ضرائب ورسوم وغرامات وغيرها
رابعا: دفع المال الحرام أجرة للعمال والخدم غير المسلمين.