وهذه مجرد عينة مما يرد في سؤالات الناس ظنا منهم أنهم بذلك يتخلصون من تبعة الكسب الحرام.
وكل ما تقدم لا يجوز شرعا للوجهين التاليين:
أ ـ أن الواجب في الحرام اجتنابه كما قال تعالى في شأن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتبوه لعلكم تفلحون} (المائدة: 90) وما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة , قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه , وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم"
والاجتناب يعني البعد عن الحرام وعما يوصل إليه وما ينتج عنه، وهو ما يظهر مما ورد في تحريم الخمر إذ لم يقتصر التحريم على الشرب فقط إنما تناول عشرة أنشطة اقتصادية متعلقة بالخمر، فقد أخرج أبو داود وأحمد وغيرهما عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لعن الله الخمر , وشاربها , وساقيها , وبائعها , ومبتاعها , وعاصرها , وآكل ثمنها , ومعتصرها , وحاملها , والمحمولة إليه"وهناك روايات تذكر أنشطة أخرى.
فمن استفاد بالمال الحرام في تحقيق منافع شخصية له اختيارا فلم يجتنب الكسب الحرام.
ب - أن الوجوه المتقدمة ونحوها هي من سبل الاستفادة والانتفاع بالحرام سبل الانتفاع المباشر بالحرام كالأكل أو الشرب أو الملبس أو المركب إن لم تكن أعظم منها في بعض الأحوال، والنفع الحقيقي يعود على مكتسب المال الحرام، إذ تبرأ ذمته مما وجب عليه من حق للدولة، أو من أجور العمال والخدم غير المسلمين، كما يستفيد استفادة مباشرة بدفع ثمنا لشراء بنزين أو غاز ونحوه.
والإسلام لم يحرم وجها دون وجه من وجوه الاستفادة والانتفاع بالمال الحرام بل حرم جميع الوجوه.
وقد يعتمد البعض على بعض الروايات التي أذن النبي صلى الله عليه وسلم فيها بإطعام لحم فيه شبهة حرام إلى الأسرى فيما أخرجه أحمد وأبو داود عن عاصم بن كليب {أن رجلا من الأنصار أخبره قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما رجع استقبله داعي امرأة , فجاء وجيء بالطعام فوضع يده , ثم وضع القوم فأكلوا , فنظر آباؤنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يلوك لقمة في فمه ثم قال: أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها , فقالت المرأة: يا رسول الله إني أرسلت إلى البقيع يشتري لي شاة فلم أجد , فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة أن أرسل بها إلي بثمنها فلم يوجد , فأرسلت إلى امرأته , فأرسلت إلي بها , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أطعميه الأسارى} وفي لفظ للدارقطني ثم قال: إني لأجد لحم شاة ذبحت بغير إذن أهلها , فقالت: يا رسول الله أخي , وأنا من أعز الناس عليه ,