فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 104

وسئل الحسن ـ رضي الله عنه ـ عن توبة الغال وما يؤخذ منه بعد تفرق الجيش، فقال يتصدق به.

وروي أن رجلا سولت له نفسه فغل مائة دينار من الغنيمة، ثم أتى أميره ليردها عليه فأبى أن يقبضها، وقال له: تفرق الناس، فأتى معاوية فأبى أن يقبض، فأتى بعض النساك، فقال: ادفع خمسها إلى معاوية، وتصدق بما يبقى، فبلغ معاوية قوله، فتلهف إذ لم يخطر له ذلك.

ومن القياس: يمكن أن يقال: إن هذا المال مردد بين أن يضيع وبين أن يصرف إلى خير إذ قد وقع اليأس من مالكه وبالضرورة يعلم أن صرفه إلى خير أولى من إلقائه في البحر.

وقد نقل الغزالي قولا عن الفضيل بن عياض أنه وقع في يده درهمان، فلما علم أنهما من غير وجههما رماهما بين الحجارة، وقال: لا أتصدق إلا بالطيب، ولا أرضى لغيري ما لا أرضاه لنفسي"ورد على ذلك: بأننا لا نرضى لغيرنا ما لا نرضاه لأنفسنا، إذ كنا نحن وغيرنا في غنى عن هذا المال، لكن عند وجود الفقر فيحل لنا ولغيرنا. [1] "

لكن لجواز هذا الصرف على الفقراء من المال الحرام ينبغي توافر الشرطين السابقين في الصرف من المال الحرام في المصالح العامة إضافة إلى شرط أن يكون التصدق عن صاحب المال وأن يتولى ذلك جهة رسمية مشتهرة بالعفة أو أمين وإلا قام بذلك المكتسب نفسه.

وبهذه الضوابط يمكن أن يجاب عما يقوم به مكتسبو المال الحرام من المساهمة في المشروعات الخيرية وإطعام الفقراء والمساكين في رمضان وغير رمضان. [2]

الفرع الرابع: إنفاق مكتسب المال الحرام منه على نفسه ومن يعول.

ذهب جمهور أهل العلم إلى جواز إنفاق مكتسب المال الحرام منه على نفسه لكن وفق ضوابط معينة حتى لا يتوسع الناس في الكسب الحرام بحجة الحاجة والفاقة، ويمكن الوقوف على هذه الضوابط من خلال نصوص الفقهاء الآتية:

قال ابن مودود:"الملك الخبيث سبيله التصدق به، ولو صرفه في حاجة نفسه جاز، ثم إن كان غنيا تصدق بمثله، وإن كان فقيرا لا يتصدق" [3]

(1) - الغزالي - الإحياء - 2/ 180، 181

(2) - وقع خلاف بين العلماء المعاصرين حول مدى جواز تناول ما تقيمه بعض الراقصات من موائد رمضانية للفقراء، فذهب المعظم إلى حرمة تناول المسلم الطعام، وذلك لخبث المال المدفوع ثمنا لهذا الطعام، وذهب البعض إلى الإباحة وذلك نظرا لحاجة الفقراء إلى الطعام، ولا علاقة لهم بمصدر هذا المال

والحق أننا يجب أن ننزه الفقراء والمساكين ونكفيهم من المال الحلال الطيب ولا نلجئهم إلى المال الخبيث، كما أن المفاسد التي تجنيها الأمة من وراء تفشي هذه المكاسب الخبيثة وظهور أصحابها بمظهر النساك المحسنين أعظم من مصلحة إطعام الفقراء، وفضح هؤلاء المجرمين ومقاطعتهم وتعريتهم قد يكون سببا في مجانبتهم لتلك المكاسب.

(3) - ابن مودود - الاختيار لتعليل المختار - 3/ 61

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت