قال القاسم بن محمد: {إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله} فيما افترض الله عليهما في العشرة والصحبة [1] ، قال الشافعي:"فقيل-والله أعلم-: أن تكون المرأة تكره الرجل حتى تخاف أن لا تقيم حدود الله بأداء ما يجب عليها له أو أكثره إليه، ويكون مانع لها ما يجب عليه أو أكثره، فإذا كان هذا حلت الفدية للزوج، وإذا لم يقم أحدهما حدود الله فليسا معًا مقيمين حدود الله" [2] .
8.أن تمتنع المرأة من أداء الحق، فتخاف على الزوج أن لا يؤدي الحق إذا منعته حقا فتحل الفدية [3] .
وأولى هذه الأقوال بالصحة قول من قال: لا يحل للرجل أخذ الفدية من امرأته على فراقه إياها حتى يكون خوف معصية الله من كل واحد منهما على نفسه في تفريطه في الواجب عليه لصاحبه منهما جميعًا، كما قال طاووس:"إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فيما افترض لكل واحد منهما على صاحبه في العشرة" [4] .
قال الرازي في مفاتيح الغيب:"اعلم أن ظاهر هذه الآية يدل على أن الشرط هو حصول الخوف للرجل والمرأة".
ولأن الله تعالى إنما أباح للزوج أخذ الفدية من امرأته عند خوف المسلمين عليهما أو هما على أنفسهما أن لا يقيما حدود الله [5] .
ربما يقال: إذا كان الأمر كذلك فالواجب أن يكون حراما على الرجل قبول الفدية منها إذا كان النشوز منها دونه، حتى يكون منه من الكراهة لها مثل الذي يكون منها له.
ويجاب عن هذا بأن الأمر في ذلك بخلاف ما ظن، وذلك أن في نشوزها عليه داعية له إلى التقصير في واجبها ومجازاتها بسوء فعلها به، وذلك هو المعنى الذي يوجب للمسلمين الخوف عليهما أن لا يقيما حدود الله.
فأما إذا كان التفريط من كل واحد منهما في واجب حق صاحبه، وسوء الصحبة والعشرة قد ظهر للمسلمين فليس هناك للخوف موضع، إذ كان المخوف قد وجد، وإنما يخاف وقوع الشيء قبل حدوثه، فأما بعد حدوثه فلا وجه للخوف منه، ولا الزيادة في مكروهه [6] .
ثم قريء {إلا أن يخافا} بضم أوله على البناء للمجهول، والمراد الولاة والحكام، ورده النحاس بأنه قول لا يساعده الإعراب ولا اللفظ ولا المعنى، ورده الطحاوي [7] بأنه شاذ مخالف لما عليه الجم الغفير، ومن حيث النظر فإن الطلاق جائز دون الحاكم فكذلك الخلع [8] .
وقريب مما سبق جاء قوله سحانه: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} (النساء:20،21)
فهنا"استفهام إنكار وتوبيخ أي أتأخذونه باهتين وآثمين" [9] ،"والبهتان الكذب على الغير مواجهة مكابرة على وجه يحيره" [10] ، قال في الكشاف:"أن تستقبل الرجل بأمر قبيح تقذفه به وهو بريء منه فإنه يبهت عند ذلك أي"
(1) جامع البيان (2/ 462) وما بعدها، وانظر فتح الباري (9/ 398)
(2) أحكام القرآن للإمام الشافعي (2/ 217) تحقيق: عبد الغني عبد الخالق، دار الكتب العلمية، بيروت 1400 هـ.
(3) أحكام القرآن للإمام الشافعي (2/ 218) .
(4) مصنف ابن أبي شيبة (4/ 116)
(5) ينظر بدائع التفسير لابن القيم (1/ 407) جمع: يسري السيد محمد، دار ابن الجوزي، ط 1، 1414 هـ-1993 م.
(6) جامع البيان (2/ 462) وما بعدها.
(7) الإمام العلامة الحافظ صاحب التصانيف البديعة أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلمة الأزدي الحجري المصري الحنفي ابن أخت المزني، سمع يونس بن عبد الأعلى وهارون بن سعيد الأيلي ومنه الطبراني، وتفقه بالقاضي أبي خازم، وكان ثقة ثبتا فقيها لم يخلف مثله، انتهت إليه رياسة أصحاب أبي حنيفة، ولد سنة سبع وثلاثين ومائتين، وله معاني الآثار (طبقات الحفاظ 339)
(8) فتح الباري (9/ 398) .
(9) تفسير البيضاوي (3/ 286) مع حاشية زادة.
(10) حاشية زادة على البيضاوي (3/ 286)