والقرآن يركز على العبرة والعظة من القصة دون الاهتمام بالاسماء والأشخاص، ويكفي أن نعرف خلاصة القصة وهي أن صحابيًا -وقد علم بلا خلف- ظاهر زوجته، ثم صار منه ما صار كما بينت الروايات.
قال ابن عباس: فأول من ظاهر في الإسلام أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت [1] .
كان ما سبق هو الصحيح في سبب النزول.
أما حديث سلمة بن صخر [2] أنه"قال: ثم كنت امرءًا أصيب من النساء مالا يصيب غيري، فلما دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من امرأتي شيئا يتابع بي حتى أصبح؛ فظاهرت منها حتى ينسلخ شهر رمضان، فبينا هي تخدمني ذات ليلة إذ تكشف لي منها شيء؛ فلم ألبث أن نزوت عليها."
فلما أصبحت خرجت إلى قومي، فأخبرتهم الخبر رجاء أن يمشوا معي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قالوا: لا والله، فانطلقت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته.
فقال: أنت بذاك يا سلمة، قلت: أنا بذاك يا رسول الله، مرتين، وأنا صابر لأمر الله؛ فاحكم في ما أراك الله.
قال: حرر رقبة، قلت: والذي بعثك بالحق، ما أملك رقبة غيرها، وضربت صفحة رقبتي.
قال: فصم شهرين متتابعين، قلت: وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام، قال: فأطعم وسقا من تمر بين ستين مسكينا.
قلت: والذي بعثك بالحق، لقد بتنا وحشين مالنا طعام.
قال: فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إليك؛ فأطعم ستين مسكينا وسقا من تمر وكل أنت وعيالك بقيتها.
فرجعت إلى قومي، فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند النبي صلى الله عليه وسلم السعة وحسن الرأي، وقد أمرني أو أمر لي بصدقتكم" [3] ."
فليس في هذا الحديث أنه سبب النزول، بل فيه إفتاؤه بالكفارة التي كانت قد نزلت آياتها قبل ذلك [4] .
يشتمل الظهار على حكمين:-
1.لا يترتب عليه طلاق كما كان في الجاهلية، فعن ابن عباس أنه قال: كان ظهار الجاهلية طلاقا [5] ، قال ابن كثير [6] :"كان الظهار في الجاهلية طلاقا، فأرخص الله لهذه الأمة وجعل فيه كفارة ولم يجعله طلاقا كما كانوا يعتمدونه في جاهليتهم" [7] .
2.إثم المظاهر، إذ قد تظافرت نصوص الفقهاء على حرمة مظاهرة الرجل زوجته مستدلين بقوله تعالى: {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا} (المجادلة: من الآية 2) [8] .
قال ابن القيم [9] :"إن الظهار حرام لا يجوز الإقدام عليه لأنه كما أخبر الله عنه منكر من القول وزور" [10] ، وعده بعض الفقهاء من الكبائر [11] ووجهوا عدهم
(1) عون المعبود (6/ 218)
(2) هو: سلمة بن صخر بن حارثة الأنصاري ثم البياضي مدني، ويقال له سلمان بن صخر، وسلمة أصح كان أحد البكائين (2/ 642)
(3) أخرجه أبوداود (2/ 265) والترمذي (5/ 405) وابن ماجة (1/ 666) وصححه ابن خزيمة (4/ 73)
(4) ينظر تفسير ابن كثير (4/ 320)
(5) عون المعبود (6/ 218)
(6) الإمام المحدث الحافظ ذو الفضائل عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر ابن كثير بن ضوء بن كثير القيسي البصروي، ولد سنة سبعمائة، وتخرج بالمزي ولازمه وبرع له التفسير الذي لم يؤلف على نمطه مثله والتاريخ وتخريج أدلة التنبيه وتخريج أحاديث مختصر ابن الحاجب، مات في شعبان سنة أربع وسبعين وسبعمائة (طبقات الحفاظ 534)
(7) تفسير ابن كثير (4/ 321)
(8) ينظر فتح الباري (9/ 433) والمهذب (2/ 149)
(9) هو: محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي ثم الدمشقي، الفقيه الأصولي المفسر النحوي، تفقه في المذهب وأفتى ولازم الشيخ تقي الدين وأخذ عنه، كان عارفا بالتفسير وبأصول الدين والفقه وله اعتناء بعلم الحديث والنحو وعلم الكلام والسلوك، وقد أثنى عليه الذهبي ثناء كثيرًا، له المؤلفات المشهورة، كزاد المعاد وإعلام الموقعين وتوفي ليلة الخميس ثالث عشرى رجب سنة إحدى وخمسين وسبعمائة (المقصد الأرشد لإبراهيم بن مفلح(2/ 385) تحقيق: عبدالرحمن العثيمين، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع، الرياض، ط 1، 1990 م)
(10) زاد المعاد لابن القيم (5/ 326) شعيب الأرنؤوط وأخيه، مؤسسة الرسالة، ط 14، 1407 هـ
(11) ينظر مغني المحتاج (3/ 461) والزواجر لابن حجر الهيتمي (2/ 84) ضبطه: أحمد عبد الشافي، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ط 1، 1407 هـ- 1987 م.