فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 563

فقال: لمَ؟ ارجع إلى موضعك 0

فقلت له: يا مولانا، لم يعرف المملوك بين يديْ مَن هو، ولو علم ما جلس هذا المجلس، ولا تكلم 0

فعزم عليّ في العود إلى مجلسي فعدت، وأشار بالاطمئنان فاطمأننت 0

فتقدم شاب ليقرأ دولته [1] عليه، فقال له الشيخ: دع دولتك اليوم، فإني لم أنظر فيها 0

فقال له الشاب: ومثلك يا مولانا يحتاج إلى نظر في مثل دولتي! أو نحو هذا من الكلام 0

فقال الشيخ: هب أن الأمر كذلك، فدولة منظورة خير من دولة غير منظورة 0

فقضيت العجب، إذ مثل هذا في بلادنا المغربية يعد من النقص الكبير، لما جبلوا عليه من الجهل الكثير 0

فلما انفصل المجلس، وقد دنت الشمس للغروب، قام الشيخ فشيعته إلى باب المسجد، ووقفت ليستوي على مركوبه، فقال موعدنا في غد إن شاء الله بالقاهرة، في مسجد الأقمر [2] فهناك مجلس إقرائي 0

وكان الشيخ له أيام يأتي فيها إلى مصر ليُدرس أهلها، أظنها يومين في كل جمعة 0

فبكّرت في يوم الاثنين إلى المجلس المذكور الذي تقدم الوعد إليه، فألفيت جمعا من صدور أهل العلم قد اجتمعوا بين يديه من شيوخ وكهول وشبان، وسمعت مآخذ ومذاكرة ومناظرة أقوى مما سمعت بالأمس 0

فطال المجلس وأردت الانصراف، فأشار بالجلوس إلى أن يتم المجلس 0

فلما أراد القيام قام التلاميذ معه وأحدقوا به يقرؤون عليه في الطريق إلى منزله ما بقي من دولهم، فدرّسهم طول الطريق إلى أن وافى منزله، فدخل معه فريق، وانفض فريق 0

فأشار بالدخول، وقدّم ما حضر من الطعام، ثم لمّا فرغنا منه أقبل بالتأنيس، وعرض علي جميع كتبه أو أكثرها كتابا كتابا حتى مللت، وقال: حكمك فيها ماض، وهي مباحة لك، فشكرته أتم الشكر، وعرفت أني لقيت جليل القدر، فلا أزال أذكره أطيب الذكر 0

ـ 17 م ـ

(1) الدولة: الصحيفة التي يتداولها طلاب العلم فيما بينهم

(2) هو المسجد الذي ابتناه الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله أمام قصر الخلافة، وقد أشرف عليه وزيره المأمون بن البطائحي ونجز بناؤه سنة 519 هـ، ولم يكن جامعا، ولم تكن به خطبة، لكنه مع ذلك عرف بالجامع الأقمر، وكانت تقام به حلقات الدرس كما يشهد بذلك ابن رشيد 0 ملء العيبة 3/ 110 ـ الحاشية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت