ـ 55 ـ
وقوله: وهما فعلان:
اعلم أن بين النحاة اختلافًا فيهما، فمذهب البصريين أنهما فعلان كما ذكر، واضطرب نقل الأصحاب عن مذهب الكوفيين، فقالوا في مسائل الخلاف: ذهب الكوفيون إلى أن نعم وبئس اسمان، وقال ابن الشجري [1] ـ رحمه الله ـ في أماليه في المجلس الموفي الستين [2] أجمع البصريون من النحويين على أن نعم وبئس فعلان، وتابعهم علي بن حمزة الكسائي رحمه الله، وقال أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء: هما اسمان، وتابعه أبو العباس أحمد ابن يحيى ثعلب وأصحابه على اسميتها، وقال ابن عصفور: نعم وبئس فعلان، لم يختلف فيه أحد من النحويين البصريين والكوفيين [3] ، وإنما الخلاف بينهم بعد إسنادهما إلى الفاعل فذهب البصريون إلى أن نعم الرجل جملة فعلية، وكذلك بئس الرجل، وذهب الكسائي
ـ رحمه الله ـ إلى أن قولهم: نعم الرجل، وبئس الرجل، اسمان محكيان بمنزلة تأبط شرًا، نقلًا عن أصلهما، وسُمّي بهما للمدح والذم، وذهب الفراء ـ رحمه الله ـ إلى أنهما جملتان صفتان لموصوف محذوف، والأصل عنده في قولك: نعم الرجل زيد، رجل نعم الرجل زيد، ورجل بئس الرجل زيد، فنعم وبئس صفتان لرجل، لأنهما جملتان بعد النكرة، ثم حذف الموصوف، وأقيمت الصفة مقامه، ووافق ابن مالك في حكاية المذاهب ما قاله ابن الشجري رحمه الله، والدليل على أنهما فعلان اتصال تاء التأنيث الساكنة بهما نحو قولهم: نعمت المرأة، وبئست المرأة، واتصال الضمائر البارزة المرفوعة بهما، نحو قولهم فيما حكاه الكسائي ـ رحمه الله ـ نعما رجلين الزيدان، ونعموا رجالًا الزيدون 0
القاعدة: كل ما تضمن ما ليس له في الأصل، مُنع شيئًا مما له في الأصل، ليكون ذلك المنع دليلًا على ما تضمنه، وإذا كان كذلك، فنعم وبئس إنما مُنعا التصرف لأنهما
(1) أبو السعادات هبة الله بن علي بن محمد العلوي الحسني، كان إماما في النحو واللغة، وكان نقيب الطالبيين، صنف في النحو عدة تصانيف، وأملى كتابا سماه الأمالي، وهو كتاب نفيس، فيه غرائب العربية، يشتمل على أربعة وثمانين مجلسا، يذكر فيه تفسير آيات وأشعار للعرب، توفي سنة اثنتين وأربعين وخمسمئة ... إشارة التعيين، ص 370
(2) الأمالي الشجرية 2/ 147
(3) لقد ذكر ابن عصفور في شرحه لجمل الزجاجي 1/ 598 أن الفراء وكثيرا من أهل الكوفة قالوا بأنهما اسمان، وقال البصريون إنهما فعلان 0