وَأَمَّا الكِتَابُ الثَّانِي: كِتَابُ الملَكِ الموَكَّلِ بِالأَعْمَارِ؛ وَهُوَ كِتَابٌ يُمْكِنُ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ فِيهِ، وَإِلَيْهِ وَرَدَتِ الإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد 39] وَللَّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْ يُبْقِيَ أَثَرَ وَاصِلِ الأَرْحَامِ، وَيَنْشُرَ لَهُ ذِكْرًا حَسَنًا بَيْنَ النَّاسِ، فَيَذْكُرُونَهُ بِالخَيْرِ وَيَدْعُونَ لَهُ، وَيَثْنُونَ عَلَيْهِ فَيَلْحَقُهُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ ثَوَابٌ عَظِيمٌ وَأَجْرٌ كَرِيمٌ، وَكَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ يَقُولُ (1) : اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي فِي أَهْلِ السَّعَادَةِ فَأَثْبِتْنِي فِيهِم، وَإِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي فِي أَهْلِ الشَّقَاوَةِ وَالذَّنْبِ فَامْحُنِي؛ وَأَثْبِتْنِي فِي أَهْلِ السَّعَادَةِ وَالمغْفِرَةِ؛ فَإِنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ وَعِنْدَكَ أُمُّ الكِتَابِ، وَقَالَ ابنُ مَسْعُودٍ نَحْوَ ذَلِكَ، وَفَسَّرَ ابنُ عَبَّاسٍ هَذِهِ الآيَةَ (2) : {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ} [الأنعام 2] فَقَالَ: الأَجَلُ الأَوَّلُ مِنْ وِلاَدَتِهِ إِلَى مَوْتِهِ، وَالأَجَلُ الثَّانِي مِنْ وَفَاتِهِ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ فِي البَرْزَخِ؛ وَلاَ يَعْلَمُهُ إِلاَّ اللهُ، فَإِذَا اتَّقَى العَبْدُ وَوَصَلَ رَحِمَهُ زَادَهُ اللهُ فِي الدّنيَا مِنْ أَجَلِ البَرْزَخِ، وَلَوْ عَصَى العَبْدُ وَقَطَعَ رَحِمَهُ نَقَصَهُ اللهُ مِنْ أَجَلَهِ فِي الدّنيَا وَيَزِيدُ فِي أَجَلِ البَرْزَخِ، فَإِذَا جَاءَ الأَجَلُ المحْتُومُ فَلاَ زِيَادَةَ وَلاَ نُقْصَانَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ
(1) تفسير القرطبي سورة الرعد الآية 39.
(2) نفس المصدر السابق.