فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 596

ومن النماذج الدالّة على كمال عقله - صلى الله عليه وسلم: هذا الحوار العقليّ الراقي مع من جاءه سائلًا، وقد امتلأ قلبه بالشكّ بزوجه، وكأنّي به كان ينتظر كلمة أو إشارة، ليثبّت الشكّ فيكون يقينًا، ومن ثمّ يسارع إلى الطلاق، وفراق زوجته: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ وُلِدَ لِي غُلامٌ أَسْوَدُ.؟! فَقَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَا أَلْوَانُهَا؟ قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَنَّى ذَلِكَ؟ قَالَ: لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ، قَالَ: فَلَعَلَّ ابْنَكَ هَذَا نَزَعَهُ عِرْقٌ) [1] .

وأمّا اتّزانُ شخصيّته - صلى الله عليه وسلم -؛ فقد تمثّلت في حياته كلّ جوانب الحياة البشريّة، بأحوالها المختلفة، وتقلّباتها المتباينة، بأفراحها وأحزانها، ويسرها وعسرها، وضيقها وفرجها، وقد واجه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - جميع هذه الأحوال بإرادة صُلبة، وشخصيّة متّزنة راسخة، فاستقبل أقدار الله بالصبر والثبات، والتوكّل والرضا، فانحنت أمام إرادته العواصف الهوج، وتفتّتت المؤامرات والمكايد، وذابت أمام حكمته المشكلات، وتحوّلت بعزيمته الصادقة، وإرادةِ ربّه قبل كلّ شيء معاولُ الهدم إلى أدوَات بناء، وعواصفُ التدمير إلى قوّة بناء وتغيير، وصدق الله العظيم: { .. وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21) } يوسف.

ومن النماذج الدالّة على اتّزان شخصيّته - صلى الله عليه وسلم - ما جاء في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَقٌّ، فَأَغْلَظَ لَهُ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالًا، فَقَالَ لَهُمْ: اشْتَرُوا لَهُ سِنًّا فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ، فَقَالُوا: إِنَّا لا نَجِدُ إِلاّ سِنًّا هُوَ خَيْرٌ مِنْ سِنِّهِ

(1) ـ رواه البخاريّ في كتاب الطلاق برقم 4893.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت