، قَالَ: فَاشْتَرُوهُ فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ، فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَوْ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً) [1] .
فانظر إلى قوّة اتّزان شخصيّته في موقف يساء فيه إلى مقامه الشريف، فيلتمس لمن أساء العذر، ولا يكتفي - صلى الله عليه وسلم - بذلك، بل يقرّر قاعدة قانونيّة أخلاقيّة، ونفسيّة واجتماعيّة عامّة، تعلي من شأن صاحب الحقّ، وتحترم موقفه، وتؤيّده في جرأته في المطالبة: (إِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالًا) ، ثمّ لم يكتفِ صلوات ربّي وسلامُه عليه بذلك، بلْ أمر أصحابه أن يعطوا صاحب الحقّ زيادة عن حقّه: (فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَوْ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً) ، فهل رأيت أروع وأرفع من هذه الصورة من صور التوازن النفسيّ وسعة الصدر.! وهل يطيق مثل ذلك أحد غير النبيّ المصطفى - صلى الله عليه وسلم -.؟!
ومن النماذج الدالّة على اتّزان شخصيّته - صلى الله عليه وسلم: موقفه - صلى الله عليه وسلم - في قصّة الإفك:
فقد كان - صلى الله عليه وسلم - يعلم في قرارة نفسه طهارة زوجه الحَصَان، أمّ المؤمنين، الصدّيقة بنت الصدّيق رضي الله عنها، ممّا رُميت به من فرية شنيعة، وهو يعلم فضلها وتقواها، كما يعلم أنّ من يتولّى كبر هذا الإفك والإثم المنافقون ورأسهم، كما يعلم مقاصدهم ممّا يفترون، وكلّنا يعلم منزلة أمّ المؤمنين، السيّدة عائشة في نفسه .. ومع ذلك كلّه فقد صبر - صلى الله عليه وسلم - وتريّث، ولم يندفع بمشاعره وعاطفته، ولم يتّخذ أيّ موقف بناءً على ما لديه من علم ومعرفة، وانتظر حكم الله تعالى، أدبًا مع الحقّ جلّ وعلا، والتزامًا بما يمليه أدب العبوديّة، ومقام النبوّة والرسالة [2] .
(1) ـ رواه البخاريّ في كتاب الوكالة برقم 2140 ومسلم في كتاب المساقاة برقم 3003.
(2) ـ اقرأ في صحيح البخاريّ وصحيح مسلم قصّة الإفك كما ترويها السيّدة عائشة رضي الله عنها، وتأمّل ما فيها من الدروس والعبر، وانظر كيف وجدت السيّدة عائشة في نفسها من مَوقف النبيّ - صلى الله عليه وسلم - المتريّث، وهو في الحقّ كما ترى باب فريد من أبواب عظمة شخصيّته، ودلائل نبوّته.