ومن النماذج الدالّة على اتّزان شخصيّته - صلى الله عليه وسلم - وسموّ نفسه أنّه لم يكن يدافع عن نفسه اتّهامات المشركين الظالمة، وإنّما يعرض الحقّ، ويتلو القرآن، ويدعو إلى الله تعالى، ويسلّم أمره إلى الله، فيدافع الله عنه، ويكفيه شرّ أعدائه وكيدهم، وبهذا التوازن النفسيّ السامي كانت تهفو فطرة من أراد الله له الهداية إلى نور الحقّ غير مبالية بكيد الباطل وافتراءاته .. وللحقّ نور نفّاذ، لا تضرّه حجب الباطل وترّهاته ..
أخرج أبو يعلى عن حرب بن سريج قال: حدّثني رجل من بلعدويّة قال: حدّثني جدّي قال: انطلقت إلى المدينة فنزلت عند الوادي، فإذا رجلان بينهما عنزة واحدة، وإذا المشتري يقول للبائع: أحسن مبايعتي قال: فقلت في نفسي هذا الهاشميّ، الذي قد أضلّ الناس، أهو هو؟ قال: فنظرت فإذا رجل حسن الجسم، عظيم الجبهة، دقيق الأنف دقيق الحاجبين، وإذا من ثغرة نحره إلى سرّته مثل الخيط الأسود شعر أسود، وإذا هو بين طمرين. قال: فدنا منّا فقال: السلام عليكم، فرددنا عليه، فلم ألبث أن دعا المشتري فقال:"يا رسول الله قل له: يحسن مبايعتي، فمدّ يده وقال: أموالكم تملكون، إنّي أرجو أن ألقى الله عزّ وجلّ يوم القيامة لا يطلبني أحد منكم بشيء ظلمته في مال ولا في دم وعرض إلاّ بحقّه، رحم الله أمرأً سهل البيع، سهل الشراء، سهل الأخذ، سهل العطاء، سهل القضاء، سهل التقاضي، ثمّ مضى."
فقلت: والله لأقصّنّ هذا، فإنّه حسن القول، فتبعته، فقلت: يا محمّد! فالتفت إليّ بجميعه فقال: ما تشاء؟
قلت: أنت الذي أضللت الناس، وأهلكتهم، وصددتهم عمّا كان يعبد آباؤهم؟!