وقد كان الصحابة - رضي الله عنهم - لا يستطيعون إمعان النظر إليه لقوّة مهابته في القلوب، وعظيم وقاره في النفوس، ومن ثمّ فلم يدقّق في وصفه إلاّ صغارهم، أو من كان تحت تربيته قبل النبوّة، كهند ابن أبي هالة، وسيّدنا عليّ - رضي الله عنهم -.
وقال عروة بن مسعود الثقفيّ لأصحابه من المشركين، بعدما رجع من مفاوضة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عند الحديبية:".. وإذا تكلّم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون إليه النظر تعظيمًا له" [1] .
ومن المواقف الدالّة على شجاعة قلبه - صلى الله عليه وسلم - ما جاء في الحديث عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ: ذُكِرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ، كَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ المَدِينَةِ لَيْلَةً فَانْطَلَقُوا قِبَلَ الصَّوْتِ، فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَقَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الصَّوْتِ، وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ، مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ، فِي عُنُقِهِ السَّيْفُ، وَهُوَ يَقُولُ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَنْ تُرَاعُوا، يَرُدُّهُمْ، ثُمَّ قَالَ لِلْفَرَسِ: وَجَدْنَاهُ بَحْرًا، أَوْ إِنَّهُ لَبَحْرٌ) ، وكَانَ فَرَسًا لأَبِي طَلْحَةَ يُبَطَّأُ، فَمَا سُبِقَ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ" [2] ."
وعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ، فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ، فَقَالَ لَهُ - صلى الله عليه وسلم: (هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَاكُلُ الْقَدِيدَ) [3] .
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَسَّانَ الْعَنْبَريّ قَالَ: حَدَّثَتْنِي جَدَّتَايَ صَفِيَّةُ وَدُحَيْبَةُ ابْنَتَا عُلَيْبَةَ، قَالَ مُوسَى بِنْتِ حَرْمَلَةَ: وَكَانَتَا رَبِيبَتَيْ قَيْلَةَ بِنْتِ مَخْرَمَةَ رضي الله عنها، وَكَانَتْ جَدَّةَ أَبِيهِمَا أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُمَا:"أَنَّهَا رَأَتْ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ قَاعِدٌ الْقُرْفُصَاءَ"
(1) ـ السيرة النبويّة للشيخ الدكتور محمّد بن محمّد أبو شهبة 2 330.
(2) ـ رواه ابن ماجه في كتاب الجهاد برقم 2762.
(3) ـ رواه ابن ماجه في كتاب الأطعمة برقم 3303.