واحدًا موثوقًا في سيرته - صلى الله عليه وسلم - وشمائله، ليكونوا على معرفة بهدْي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأحوالِه الخاصّة والعامّة، فيقتدوا به فيما يأتون وما يذرون، عملًا بقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) } الأحزاب.
ولقد كانت السيرة النبويّة مدرسة تخرّج فيها أمثل النماذج البشريّة، وهم الصحابة - رضي الله عنهم -، فكان منهم الخليفة الراشد، والقائد المحنّك، والبطل المغوار، والسياسيّ الداهية، والعبقريّ الملهم، والعالم العامل، والفقيه البارع، والعاقل الحازم، والحكيم الذي تتفجّر من قلبه ينابيع العلم والحكمة، والتاجر الذي يحوّل رمال الصحراء ذهبًا، والزارع والصانع، اللذان يريان في العمل عبادةً، والكادح الذي يرى في الاحتطاب عملًا شريفًا، يترفّع به عن التكفّف والتسوّل، والغنيّ الشاكر، الذي يرى نفسه مستخلفًا في هذا المال، ينفقه في الخير والمصلحة العامّة، والفقير الصابر الذي يحسبه من لا يعلم حاله غنيًّا من التعفّف، وكلّ ذلك كان من ثمرات الإيمان بالله، واتّباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبهذا كانوا الأمّة الوسط، وكانوا خير أمّة أخرجت للناس.
ولقد كان السلف الصالح من هذه الأمّة يدركون ما لسيرة خاتم الأنبياء - صلى الله عليه وسلم -، وسير الصحابة النبلاء، من آثار حَسنَة في تربية النشء، وبناء جيل صالح لحمل رسالة الإسلام، والتضحية في سبيلها بالنفس والمال، فمن ثمّ كانوا يتدارسون السيرة، ويحفظونها، ويلقّنونها لأطفالهم منذ نعومة أظفارهم، كما يلقّنونهم السورة من القرآن، روي عن زين العابدين، عليّ ابن الحسين ـ رضي الله تعالى عنهما ـ أنّه قال:"كنّا نعلَّم مغازي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما نعلّم السورة"