من القرآن"، وهذا هو الإمام الزهريّ عالم الحجاز والشام، وهو من قدماء من عنوا بجمع السيرة، بل قيل: إنّ سيرته أوّل سيرة ألّفت في الإسلام، يقول:"في علم السيرة علم الدنيا والآخرة"، وإنّها لكلمة حقّ وصدق، ورُوي عن إسماعيل بن محمّد بن سعد بن أبي وقّاص - رضي الله عنه - أنّه قال:"كان أبي يعلّمنا المغازي والسرايا، ويقول: يا بنيّ هذه شرف آبائكم، فلا تضيّعوا ذكرها"، نعم والله، إنّها لشرف الأجيال والآباء، والمدرسة التي يتعلّم فيها الأبناء!" [1] .
وإنّنا على وفرة ما كتب في سيرة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وشمائله، وخصائصه وفضائله، من حقوق المصطفى على أمّته وعلى العالمين، لا نزال نشكو من الجفاف الروحيّ، والبرود العاطفيّ، نحو هذا الحبيب الأعظم - صلى الله عليه وسلم -، ذلك لأنّ كثيرًا منا يفتقدون الجسر الذي يربط بينهم وبين المصطفى - صلى الله عليه وسلم - فهم يعرفونه، ولم يألفوه، ويسمعون سيرته وشمائله بآذانهم، ولم يعقدوا الصلة بين قلوبهم وبينه، ويحبّونه بمقتضى واجب الإيمان، ولكنّهم لا يؤثرونه على أنفسهم وأموالهم، وأهليهم وأولادهم، لأنّ نفوسهم قد أتخمت بحبّ الذات، وتهالكت على حبّ الدنيا وإيثارها، واللهاث وراء حطامها، فأنّى لها أن تخرج عن هذه الدائرة الرعناء، إلى رحب النور الغامر، والسناء الباهر، الذي سمّاه خالقه سبحانه:"نورًا مبينًا، وسراجًا منيرًا ..".
(1) ـ السيرة النبويّة للشيخ محمّد محمّد أبو شهبة 1 8 بتصرّف يسير.