لقد حدث ذلك كلّه في مدّة وجيزة، كانت مثار عجب العلماء والمؤرّخين، ودهشة المفكّرين والباحثين .. وإنّها لمعجزة الرسالة الخاتمة، التي إعجازها في تغيير النفوس، لا يقلّ عَنْ إعجازها في خرق النواميس.
ولقد كان للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - في تربية الأمّة أرقى الوسائل والأساليب، التي لا عهد للبشر بها في ذلك العصر، فقد كان يربّيهم تارة بالقدوة، وتارة بالقول، وتارة بالعمل، وتارة بهما معًا .. وكان ينمّي فيهم حبّ الله تعالى وخوفه، وخشيته ومراقبته، والإخلاص لوجهه، وابتغاء مرضاته [1] .
ولم تكن - صلى الله عليه وسلم - تربيته قاصرةً على فئةٍ دون أخرى في المجتمع، بل كان يتعهّد الرجال والنساء، والأطفال والأرقّاء، وأهل الحاضرة والبادية، وكان يترفّق بهم، ويتدرّج معهم، ولا يعنتهم، ولا يرضى لهم العنت، ويحثّهم على التعلّم والتعليم، ويضرب لهم الأمثال، ويسوق لهم المواعظ والحكم، ويقصّ عليهم أحسن القصص الحقّ، ويكثر لهم من إلقاء الأسئلة عليهم، ليشحذ أذهانهم، ويحفّز نفوسهم لتلقّي العلم، وحفظه ووعيه.
ولقد أخذ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بمبدأ التعليم الدائم المستمرّ، ووجّه طاقات المجتمع إلى التعلّم والتعليم، والتبليغ عنه - صلى الله عليه وسلم - ولو آية، ورفع مكانة طلب العلم إذ جعله فريضةً، وجعل العلماء ورثة الأنبياء، ففي الحديث الشريف: عَنْ قَيْسِ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ: قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ المَدِينَةِ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ - رضي الله عنه - وَهُوَ بِدِمَشْقَ، فَقَالَ: مَا أَقْدَمَكَ يَا أَخِي؟ فَقَالَ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: أَمَا جِئْتَ لِحَاجَةٍ؟ قَالَ: لا، قَالَ: أَمَا قَدِمْتَ لِتِجَارَةٍ؟ قَالَ: لا، قَالَ: مَا جِئْتُ إِلاّ فِي طَلَبِ هَذَا الحَدِيثِ، قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -
(1) ـ انظر السيرة النبويّة للشيخ محمّد محمّد أبو شهبة 2 630 بتصرّف وزيادة.