فهرس الكتاب
وكان - صلى الله عليه وسلم - يعفو عمّن أساء إليه، ولا يجزي بالسيّئة السيّئة: عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه:"أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَشُجَّ فِي رَاسِهِ، فَجَعَلَ يَسْلُتُ الدَّمَ عَنْهُ وَيَقُولُ: (كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ، وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ.؟) ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128) } آل عمران" [1] .
ومن مظاهر رحمة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بالكافرين، حثّه على فكّ الأسير، وغالبًا ما يكون كافرًا: ففي الحديث عَنْ أَبِي مُوسَى - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: (فُكُّوا الْعَانِيَ، يَعْنِي الأَسِيرَ، وَأَطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا المَرِيضَ) [2] .
وقد أثنى الله تعالى على المؤمنين بقوله سبحانه: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) } الإنسان.
* أشدُّ ما لقيه النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - من الأذى، وصورة من أروع صور صبرِه وحلمِه، ورحمته وعفوه:
عَنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم: يَا رَسُولَ الله! هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ فَقَالَ:
(لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إلا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَاسِي
(1) ـ رواه مسلم في كتاب الجهاد والسير برقم 3346 والترمذيّ في كتاب تفسير القرآن.
(2) ـ رواه البخاريّ في كتاب الجهاد والسير برقم 2819.