فهرس الكتاب
وهكذا كانت صورة الجهاد المشرقة في عهد النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وفي أيّام الخلافة الراشدة، وعصور الإسلام الزاهرة .. إنّه جهاد الحقّ لتكون كلمةُ الله تعالى هي العليا .. ولن يكونَ مقبولًا عند الله ما لم يكن ملتزمًا حدود الإسلام وآدابه .. وعندَما يكونُ جهادًا لتكون كلمةُ الله هي العليا فهذا يعني أن يكون قصده الأوّل هو هداية العباد، ونشر نور اللهِ في الأرض، لا إرادة العلوّ والبغي والفساد ..
* وقصّة إسلام أبي سُفيان وما كانَ فيها من مواقف مثل رَائع عن عظمة الأخلاق النبويّة، وسموّ الجهادِ في سبيلِ اللهِ بمقاصده وآدابه: لقد حمل أبو سفيان زعامة الكفرِ ولواءه ما يقرب من عقدين من الزمن، لم يتوان عن أنواع الكيد، بما فيها التآمُرُ على قتلِ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - واغتياله، وفلّ الله مكره وكيده في كلّ مرّة، وانتشر نور الإسلام في الأرض يومًا بعد يوم، وحفّت عناية الله دعوة الحقّ، فهي تسير من نصر لنصر، ومن فتحٍ إلى ما هو أكبر، حتّى تحرّكت ألوية الحقّ لفتح مكّة، بعد أن نقضت قريش عهدها في صلح الحديبية ..
وحرص النبيّ - صلى الله عليه وسلم - على تعمية خبر خروجه عن قريش، وكان له ما أراد، وعند"مرّ الظهران" [1] ، خرج أبو سفيان بن حرب، وبديل بن ورقاء، وحكيم بن حزام، يستطلعون الأمر لقريش، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أمر أصحابه أن يوقدوا نارًا، فأوقدوا عشرة آلاف نار، فرأى أبو سفيان وصاحباه نيرانًا كنيران الحجيج في عرفة، فقال أبو سفيان: ما رأيت كالليلة نيرانًا قطّ، ولا عسكرًا.! فقال بديل: هذه والله خزاعة، فقال أبو سفيان: خزاعة أقلّ وأذلّ من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها.
(1) ـ وهي قرية بالقرب من مكّة بوادي الظهران يقال لها اليوم: وادي فاطمة.