فهرس الكتاب
وبعد؛ فانظُر أيّها العاقل المنصف إلى كلّ ما جاء في القرآن الكريم من أمر ونهي، وإرشاد وتوجيه تجد السيرة النبويّة العطرة هي التطبيق العمليّ الدقيق، والمرآة النقيّة، الصافية الأمينة لكلّ ذلك، وتلك من أهمّ سمات أمانته - صلى الله عليه وسلم -، وتاجها وحليتها، وبسط ذلك يحتاج إلى إفراد بالحديث يطول فيه القول ويمتدّ، وهو منجم من البحث بكر، لا أعلم من تناوله بالتفصيل والبيان.
* وأما حفظه - صلى الله عليه وسلم - للعهد ووفاؤه فهو نوع من أمانته، وباب بحدّ ذاته من أبواب عظمة أخلاقه - صلى الله عليه وسلم -، فقد كان - صلى الله عليه وسلم - أوفى الناس بالوعد، وأرعاهم للعهد، وأوصلهم للرحم قبل النبوّة وبعدها، وقد عاهد اليهود والمشركين، فما نقض العهد، وما عرف عنه الغدر، ولمّا توفّيت السيّدة الجليلة خديجة رضي الله عنها كان دائم الذكر لها، والثناء عليها، حتّى كانت عائشة تغار من ذلك، وكان يحبّ صديقات خديجة، ويبرّهنّ، فكان يذبح الشاة، ويقطّعها ويقول: (أرسلوا إلى صديقات خديجة) [1] .
وكانت تستأذن عليه هالة بنت خويلد، أخت خديجة، فيهشّ لها، وترتاح نفسه، لأنّ صوتها يذكّره بصوت خديجة، وجاءته ذات يوم عجوز من صويحبات خديجة، فصار يسألها عن أحوالها، وما صارت إليه، ولمّا خرجت قالت له عائشة: تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال؟! فقال لها: (إنّها كانت تأتينا زمان خديجة، وإنّ حسن العهد من الإيمان) [2] .
* ومن المواقف الدالّة على برّه ووفائه - صلى الله عليه وسلم - وصيّته بالأنصار - رضي الله عنهم -، لما كان منهم من نصرة لدين الله، وجهاد في سبيله، ودفاع عن رسوله - صلى الله عليه وسلم:
(1) ـ رواه البخاري.
(2) ـ رواه الحاكم والبيهقي في شعب الإيمان، كما في السيرة النبويّة لأبي شهبة 2 644.