ـ والموقف الثاني: دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل مكّة إلى الإسلام أكثر من عشر سنوات .. فلم يؤمن منهم إلاّ القليل، وناله منهم من الأذى والإساءة، ما لا تطيقه الجبال .. وكادوا له كلّ كيد، وتوّجوا كيدهم بالتخطيط لقتله، فأمره الله بالهجرة، فخرج من مكّة مُكرهًا مُستخفيًا، مُهاجرًا من أحبّ البلاد إليه، ولم تكفّ قريش عن عداوته، والمكر به وبأصحابه، والتخطيط لصدّ الناس عن دينه، وإعانة كلّ عدو له، ومضت سنون على ذلك، وأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - زيارة البيت العتيق، كما هو حقّ كلّ عربي مهما كان بينه وبين قريش من عداوة، ولكنّ قريشًا منعته وصدّته عن المسجد الحرام، وكبر ذلك على أصحابه، وشقّ عليهم بعد طول شوق وغياب، ولكنّه صبر، وأعلن رغبته في عقد صلح مع قريش، لتهدأ النفوس، ويحتكم أولئك المشركون إلى منطق العقل والحكمة، وكان صلح الحديبية، الذي لم تسمح قريش بموجبه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يدخل مكّة إلاّ في العام التالي ثلاثة أيام، وكانت شروط الصلح كلّها على حسب إملاءات قريش ورغبتها، وهي بظاهرها مجحفة بالمسلمين، ولكنّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - وافق عليها بوحي الله وإرشاده، وسمى الله هذا الصلح فتحًا، ونزلت فيه سورة الفتح: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) } الفتح، ولم تمض على هذا الصلح سنتان، حتّى نقضت قريش بعض شروطه، فأعانت قبيلة بني بكر على خزاعة بالسلاح والرجال، وكانوا في عهد رسول الله وذمّته، فقُتل منهم أكثر من عشرين رجلًا غدرًا، وتجهّز الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون لفتح مكة، وجاء المجاهدون من قبائل متعددة، وبلغ عددهم أكثر من عشرة آلاف .. معهم ما يقارب ألف فارس، وحرص النبي - صلى الله عليه وسلم - على أن يفاجئ قريشًا ويبغتها، كيلا تكون قادرة على قتاله، ووزع القادة من أصحابه على أطراف مكة، لتعجز قريش عن قتالهم، فتستسلم ولا يراق شيء من الدماء .. وتضعضعت قيادة قريش، وانفرط عقدها، فأكبر زعمائها وقادتها أبو سفيان