وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3) الكوثر.
قال الإمام الشوكاني في قوله تعالى: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3) } أي: إنّ مبغضك هو المنقطع عن الخير على العموم. فيعمّ خيري الدنيا والآخرة، أو الذي لا عقب له، أو الذي لا يبقى ذكره بعد موته، وظاهر الآية العموم، وأنّ هذا شأن كلّ من يبغض النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا ينافي ذلك كون سبب النزول هو العاص بن وائل، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما مرّ غير مرّة. قيل: كان أهل الجاهلية إذا مات الذكور من أولاد الرجل قالوا: قد بتر فلان، فلما مات ابن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إبراهيم خرج أبو جهل إلى أصحابه فقال: بتر محمد، فنزلت الآية. وقيل: القائل بذلك عقبة بن أبي معيط. قال أهل اللغة: الأبتر من الرجال: الذي لا ولد له، ومن الدوابّ: الذي لا ذنب له، وكلّ أمر انقطع من الخير أثره فهو أبتر، وأصل البتر القطع، يقال بترت الشيء بترًا: قطعته [1] .
وقال الإمام الواحدي في أسباب النزول: قال ابن عباس - رضي الله عنه: إنّ العاصي بن وائل السهمي رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد الحرام عند باب بني سهم، فتحدث معه، وأناسٌ من صناديد قريش في المسجد، فلما دخل العاصي عليهم قالوا له: من الذي كنت تتحدث معه؟ فقال: ذلك الأبترُ، وكان قد توفّي قبل ذلك عبدُ الله ابنُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بعد أن مات ابنه القاسم قبلَ عبد الله، فانقطع بموت عبد الله الذكورُ من ولده - صلى الله عليه وسلم - يومئذ، وكانوا يَصِفون من ليس له ابن بأبتر فأنزل الله هذه السورة، فحصل القصر في قوله: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3) } لأنّ ضمير الفصل يفيد قصر صفة الأبتر على الموصوف،
(1) ـ فتح القدير 8 70.