وهو شانئ النبي - صلى الله عليه وسلم - قصرَ المسند على المسند إليه، وهو قصر قلب، أي هو الأبتر لا أنت [1] .
وقال الشيخ ابن عاشور:"ومعنى الأبتر في الآية الذي لا خير فيه، وهو ردّ لقول العاصي بن وائل أو غيره في حقّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فبهذا المعنى استقام وصف العاصي أو غيره بالأبتر، دون المعنى الذي عناه هو، حيث لمز النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بأنّه أبتر، أي لا عقب له، لأن العاصي بن وائل له عقب، فابنه عمرو الصحابي الجليل، وابن ابنه عبد الله بن عمرو بن العاص الصحابي الجليل، ولعبد الله عقب كثير. فقوله تعالى: {هُوَ الْأَبْتَرُ} اقتضت صيغة القصر إثبات صفة الأبتر لشانئ النبي - صلى الله عليه وسلم - ونفيها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو الأبتر بمعنى الذي لا خير فيه."
ولكن لما كان وصف الأبتر في الآية جيء به لمحاكاة قول القائل: «مُحَمّد أبتر» إبطالًا لقوله ذلك، وكانَ عرفهم في وصف الأبتر أنه الذي لا عقب له تعيّن أن يكون هذا الإِبطال ضربًا من الأسلوب الحكيم وهو تلقي السامع بغير ما يترقب بحمل كلامه على خلاف مراده تنبيهًا على أن الأحقَّ غيرُ ما عناه من كلامه كقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ .. (189) } البقرة. وذلك بصرف مراد القائل عن الأبتر الذي هو عديم الابن الذكر، إلى ما هو أجدر بالاعتبار وهو الناقص حظّ الخير، أي ليس ينقص للمرء أنّه لا ولد له، لأن ذلك لا يعود على المرء بنقص في صفاته وخلائقه وعقله، وهب أنّه لم يولد له البتّة، وإنما اصطلح الناس على اعتباره نقصًا لرغبتهم في الولد بناء على ما كانت عليه أحوالهم الاجتماعيّة من الاعتماد على الجهود البدنيّة، فهم يبتغون الولد الذكور رجاء الاستعانة بهم عند الكبر، وذلك
(1) ـ التحرير والتنوير 16 407.