أمر قد يعرض، وقد لا يعرض أو لمحبة ذِكر المرء بعد موته، وذلك أمر وهمي، والنبيّ - صلى الله عليه وسلم - قد أغناه الله بالقناعة، وأعزّه بالتأييد، وقد جعل الله له لسان صدق لم يجعل مثله لأحد من خلقه، فتمحّض أنّ كماله الذاتيّ بما عَلِمه الله فيه إذ جعل فيه رسالته، وأنّ كماله العرضي بأصحابه وأمته إذ جعله الله أولى بالمؤمنين من أنفسهم [1] .
ويقول سيّد قطب رحمه الله:"في الآية الأولى قرّر أنّه - صلى الله عليه وسلم - ليس أبتر، بل هو صاحب الكوثر، وفي هذه الآية يردّ الكيد على كائديه، ويؤكّد سبحانه أنّ الأبتر ليس هو مُحَمّد - صلى الله عليه وسلم -، إنما هم شانئوه وكارهوه، ولقد صدق فيهم وعيد الله، فقد انقطع ذكرهم وانطوى، بينما امتدّ ذكر مُحَمّد - صلى الله عليه وسلم - وعلا، ونحن نشهد اليوم مصداق هذا القول الكريم، في صورة باهرة واسعة المدى كما لم يشهده سامعوه الأوّلون!"
إنّ الإيمان والحقّ والخير لا يمكن أن يكون أبتر، فهو ممتدّ الفروع عميق الجذور، وإنما الكفر والباطل والشرّ هو الأبتر مهما ترعرع وزها وتجبر ..
إنّ مقاييس الله غير مقاييس البشر. ولكنّ البشر ينخدعون ويغترّون، فيحسبون مقاييسهم هي التي تقرر حقائق الأمور! وأمامنا هذا المثل الناطق الخالد .. فأين الذين كانوا يقولون عن محمد - صلى الله عليه وسلم - قولتهم اللئيمة، وينالون بها من قلوب الجماهير، ويحسبون حينئذ أنّهم قد قضوا على محمد - صلى الله عليه وسلم -، وقطعوا عليه الطريق؟ أين هم؟ وأين ذكراهم، وأين آثارهم؟ إلى جوار الكوثر من كل شيء، ذلك الذي أوتيه من كانوا يقولون عنه: الأبتر؟!
إنّ الدعوة إلى الله والحقّ والخير لا يمكن أن تكون بتراء، ولا أن يكون صاحبها أبتر، وكيف وهي موصولة بالله الحيّ الباقي الأزليّ الخالد؟ إنما يبتر
(1) ـ التحرير والتنوير 16 407.