فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 596

ويشير الإمام الشاطبيّ رحمه الله في كتابه"الاعتصام" [1] إلى شيء من ذلك بقوله:"وإنّما كان عليه الصلاة والسلام خلقه القرآن، لأنّه حكّم الوحي على نفسه، حتّى صار في علمه وعمله على وَفقِه، فكان للوحي موافقًا مذعنًا ملبّيًا، واقفًا عند حكمه."

وهذه الخاصّة كانت من أعظم الأدلّة على صدقه فيما جاء به عن ربّه، إذ قد جاء بالأمر وهو مُؤتمر، وبالنهي وهو مُنتهٍ، وبالوعظ وهو متّعظ، وبالتخويف وهو أوّل الخائفين، وبالرجاء وهو أوّل الراجين، وحقيقةُ ذلك كلّه أنّه جعل الشريعة المنزّلة عليه إمامه وحجّته، ومرجِعَه ودليلَهُ، فاقتفى هديها في كلّ شأن، وحاكم إليها، وجاهد في سبيلها، حتّى استنارت معالمها، واستبان نهجها، محجّة بيضاء، لا يزيغ عنها إلاّ هالك"."

وإنّ عظمة أخلاق النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، التي شهدت بها هذه الآية، تتجلّى في ثلاثة جوانب قد جمعها الله تعالى فيه، وأتمّها له على أكمل حال وأوفاه:

ـ الجانب الأوّل: الخروج عن حظوظ النفس، وترك الانتصار لها، مهما جهل عليه الجاهل، أو تجاوز حدّه، وأساء إلى مقامه الكريم صلوات الله وسلامه عليه.

ـ والجانب الثاني: العفو عند المقدرة، والتسامي عن المؤاخذة بما سلف من جرائم، بلا مَنٍّ ولا ترفّع .. والسيرة النبويّة الكريمة طافحة بذلك فيّاضة ..

(1) ـ 2 339 بتصرّف يسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت