كثير من الناس بضعف الشخصيّة، ووهن العزيمة، وإيثار الراحة والسلامة، والعجز عن نيل الحقّ .. وقد سبق لنا تفصيل ذلك.
أمّا وصف الأخلاق بالعظمة فهو بمنأى عن ذلك كلّه .. إنّها عَظمة قوّة الشخصيّة، وسموِّ النفس، وعلوّ الهمّة، وقوّة الاتّصال بالله تعالى، والتحقّق بعبوديّته، الذي لأجله سبحانه، وفي سبيله يُتحلّى بهذه الأخلاق، ويستمسك بها ..
ـ والوقفة الرابعة: أنّ هذه الآية الكريمة جاءت في مساق الردّ على اتّهام المشركين للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - بالجنون، وعجبًا لا يكاد ينقضي! إنّه - صلى الله عليه وسلم - أعظم العقلاء عقلًا يتّهم بالجنون.! وأصدق الناس قولًا يتّهم بالكذب.! ويحاصر بهذه الأقاويل من أقرب الناس إليه، إنّها حرب نفسيّة ضروس، تمتحن صدق الإنسان في دعوته، وتختبر ثبات شخصيّته وقوّة إرادته، فماذا كان موقفه.؟ لقد قال الكلمة التي ما عرف التاريخ لها مثيلًا:"والله يا عمّ! لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتّى يظهره الله أو أهلك دونه" [1] .
لقد اقتضت الحكمة التربويّة أن يرشد الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - في موقف التكذيب، والاتّهام الكاذب الأثيم، إلى الصبر والحلم والصفح وسعة الصدر، ومتابعة قيامه بوظائف رسالات ربّه بأسلوب الثناء عليه بأنّه لعلى خلقٍ عظيم، أي فتعامل معهم يا محمّد - صلى الله عليه وسلم - بهذا الخلق العظيم، الذي فطرت عليه، إذ تدعوهم إلى سبيل ربّك، وإذ تنال منهم ما تنال من الأذى.
(1) ـ انظر السيرة النبويّة لابن هشام 1 266.